top of page

لمشاهدة المزيد من دراسات الكتاب المقدس باللغة العربية ، انقر هنا.

10. The Healing at the Pool

10. الشفاء عند البركة

يوحنا 5: 1-15

 

سؤال للمشاركة: شارك عن وقت احتجت فيه إلى المساعدة من أحدهم وهبَّ ذلك الصديق لمساعدتك؟ كيف قدّم المساعدة؟ وكيف شعرت بعد ذلك؟

 

وبعد هذا كان عيد لليهود، فصعد يسوع إلى أورشليم وفي أورشليم عند باب الضأن بركة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة. في هذه كان مضطجعا جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم، يتوقعون تحريك الماء.لأن ملاكا كان ينزل أحيانا في البركة ويحرك الماء. فمن نزل أولا بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه وكان هناك إنسان به مرض منذ ثمان وثلاثين سنة. هذا رآه يسوع مضطجعا ، وعلم أن له زمانا كثيرا، فقال له: أتريد أن تبرأ. أجابه المريض: يا سيد، ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء. بل بينما أنا آت، ينزل قدامي آخر. قال له يسوع: قم. احمل سريرك وامش. فحالا برئ الإنسان وحمل سريره ومشى. وكان في ذلك اليوم سبت. فقال اليهود للذي شفي: إنه سبت لا يحل لك أن تحمل سريرك. أجابهم: إن الذي أبرأني هو قال لي: احمل سريرك وامش. فسألوه: من هو الإنسان الذي قال لك: احمل سريرك وامش. أما الذي شفي فلم يكن يعلم من هو، لأن يسوع اعتزل، إذ كان في الموضع جمع. بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له: ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضا، لئلا يكون لك أشر. فمضى الإنسان وأخبر اليهود أن يسوع هو الذي أبرأه. يوحنا 1:5-15

مستشفى بيت حسدا

جرت الحادثة الواردة في هذا الفصل عند باب الضأن الذي كان يقع على الأرجح في الجهة الشمالية خارج السور لمدينة أورشليم. وكان يسوع في أورشليم بسبب عيد اليهود (ع 1). نقرأ أن اسم البركة هو بيت حسدا والذي يعني بيت الرحمة. وكانت البركة قد تم اكتشافها وتنقيبها واعتُبرت موقعًا رسميًا. كانت على شكل خزان مياه محفور في الصخر بطول خمس وخمسين ذراعا وعرض اثني عشر ذراعًا. وكان عليك أن تنزل درجا للوصول إليها. وماتزال آثار الأروقة الخمسة التي يتكلم عنها يوحنا موجودة إلى يومنا هذا. لكنِّي متأكِّد أنها بدت في شكل مختلف عندما كان يسوع على الأرض.

يصف لنا يوحنا مشهدًا مليئا بالبؤس حيث كان يحتشد هناك عدد كبير من المرضى. ما المقصود بالعدد الكبير؟ ربما أكثر من مئة، أليس كذلك؟ أتخيَّل بأنَّ المكان كان مكتظًّا والكلُّ كان يحاول الإقتراب من البركة على أمل أن يتحرَّك الماء: "لأنَّ ملاكا كان ينزل أحيانا في البركة ويحرك الماء. فمن نزل أولا بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه" (ع 4).

ويبدو من النص أنَّ الأمر تطلَّب سرعة بعد تحرُّك المياه. هل كان الملاك يظهر للعيان؟ تراودنا أسئلة كثيرة... أكانت تلك رحمة الله موجَّهة لتلك الكتل البشرية الممدَّدة هناك؟ ربما لهذا السبب كانت تُدعى بيت حسدا أي بيت الرحمة. ربما قادهم يأسهم للإيمان بأن الله سيشفيهم بهذه الطريقة وكان أنَّ الله شفى الكثيرين منهم. فالله يستجيب الصلوات الحارَّة والمليئة بالإيمان. لكن من نزل أولاً بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض، ويبدو أنَّ بعضهم لم يكونوا سريعين كفاية. وكلَّما اقترب المريض من البركة كلَّما ارتفعت نسبة بلوغه المياه أولاً حينما تُحرَّك وكلَّما ارتفعت نسبة شفائه. لا نعلم توقيت تحريك المياه، لكن كان الجميع مثبتي الأنظار على المياه وعلى أهبِّ الإستعداد للقفز.

يذكر النص ثلاثة أنواع من المرضى الذين كانوا مستلقين هناك: العمي والعرج والعسم (المشلولين) (ع 3). لم يكن بمقدرة العمي رؤية المياه تتحرَّك فلم يعلموا متى تحركت المياه؛ خاصة إن كانت حركة المياه خفيفة. فكان الآخرون يقفزون قبلهم. أمَّا العرج والعسم فكان بمقدورهم رؤية المياه تتحرَّك، لكن كانوا بحاجة لمن يساعدهم في القفز إلى المياه. لا بد أنه كان شعورًا محبطًا بأن ترى الآخرين يقفزون من فوقك إلى المياه الشافية! وكلَّما طال بقاء أحدهم قرب البركة كلَّما اقترب من البركة واقترب من أن يُشفى. أتساءل كم بقي بعضهم هناك آملين بأن يُشفوا؟ كيف تناولوا طعامهم وأيّ حمَّام استخدموا وكيف اهتموا بنظافتهم الشخصيَّة؟ فبالطبع لم يريدوا التخلِّي عن أماكنهم المميَّزة بالقرب من البركة. ربما استعان بعضهم بالأهل والأصحاب لإمدادهم بالمؤونة، أو لتنظيف المكان. لكن بإمكاننا التخيُّل أن المكان كان قذرًا وتملؤه الرائحة الكريهة. وبالطبع كان مكانًا مليئًا باليأس بتواجد هذا الكمِّ من الناس ذوي الإحتياجات الخاصة. ولا بدَّ أنَّ نسبة الوفيَّات كانت مرتفعة بسبب طول الإنتظار، كما أنّ المرارة والعراك اشتدّا بين الموجودين إن استُبعد بعضهم أو مُنعوا من الوصول إلى البركة بعد أن سبقهم الأقوى من بينهم.

ووسط الجو اليائس لذلك المكان، نرى يسوع يزور هذا العدد البائس من البشر. نقرأ في العدد الخامس أنَّ المشلول كان على هذه الحال لثماني وثلاثين سنة! فمهما كان له من زمن هناك ومهما اقترب من المياه لم يكن لديه من يساعده في القفز.

كان ذلك الرجل قد بقي لمدّة طويلة على هذه الحال؛ ماذا قال؟ كيف كانت حالته النفسية برأيكم؟ إلى من تذهب عندما تتأذَّى نفسيًا؟

أتساءل عن وضع حالته النفسية؟ فثمانٍ وثلاثين سنة مدَّة طويلة. ألعلَّه بقي هناك طوال هذه الفترة؟ أم أنّه قام بزيارات متعدَّدة للمكان؟ وقد أشار خلال حديثه القصير مع يسوع إلى أنَّ ليس له من يساعده على القفز في البركة.

بدا يائسًا ومحبطًا ووحيدًا. هل مررت بحالة مشابهة جعلتك تشعر كما شعر ذلك الرجل؟ هل تودّ المشاركة بما حصل معك؟

كم من أمل كان قد بقي لديه حين قابله يسوع؟ هل صلَّى في السابق؟ هل صرخ إلى الله وسط خوفه؟ أين وضع ثقته؟ بدا وكأنَّه مصوِّب تركيزه وأمله على رحمة الله من خلال ذلك الملاك الذي كان ينزل بين الحين والآخر، وكان يأمل بأنَّه يومًا سيتم اختياره هو ليشفى. ما نعلمه هو أنَّ الله رأى ذلك الرجل وأرسل يسوع لمساعدته. وكان بذلك سيختبر أخيرًا رحمة الله الشافية. فالله يهتم بالَّذين ليس لهم من يهتم بهم، وقد أرسل ابنه الوحيد الرب يسوع المسيح ليهتم به. لا نقرأ بأنَّ الرب شفى آخرين عند البركة في ذلك اليوم، بل يبدو أن ذلك الرجل كان الوحيد الذي شُفي. يخبرنا البشير يوحنا التالي:

"هذا رآه يسوع مضطجعا ، وعلم أن له زمانا كثيرا، فقال له: أتريد أن تبرأ." (ع 6)

الله يعلم بأمرك

تُبيِّن لنا الصورة تركيز يسوع المفاجىء على ذلك الرجل من بين كل الموجودين؛ فقد علم أنَّه كان هناك لفترة طويلة. لا نعلم إن عرف ذلك من الموجودين حول البركة أو أظهر الآب له الأمر من خلال رؤيا سماوية الأمر الذي كان يحدث غالبا. وربما كان قد سأل الرجل عن مدَّة وجوده هناك. لكن كل ما نعرفه هو أنَّ الآب مدَّ يسوع بالمعلومات عن ذلك الرجل وقد عرف أنَّه أتى الوقت ليُشفى. وكان يسوع يقوم بما يشعر و"يرى" الآب يعمل. كانت تلك اللحظة ما ندعوه "لقاء إلهيّ". لكن لم يشفِه يسوع من دون أن يتكلَّم معه ويسأله سؤالاً مهمًا. وفي هذا النص نرى مثلاً جميلاً عن كيف مشى يسوع بالروح وقام بعمله عالمــًا أنَّه يقوم بإرادة الآب.

هل أُظهرت له تلك المعلومات لأنَّه كان الله المتجسِّد، أم لأنَّ روح الله كان يقوده؟ هل كان يسوع على علم بكل الأمور بينما كان على الأرض؟

في عدة أماكن في الأناجيل نجد أن يسوع لم يكن على علم بتفاصيل كل حالة. ونجده أحيانًا يطرح الأسئلة ليعرف المزيد عن وضع أحدهم. مثلاً: عندما ذهب يسوع في السفينة إلى كورة الجدِّريين عبر بحر الجليل قابله رجل مسكون بالأرواح الشريرة. فسأله يسوع عن اسمه.أجابت الشياطين من خلال الرجل: "لجئون." وقد استخدم يسوع تلك المعلومة لينتهر الأرواح الشريرة ويُحرِّر الرجل منها. ولا يشير الإنجيل إلى أنّ يسوع كان يعلم الإسم بل بدا وكأنَّه اقتيد بالروح ليسأل (مرقس 9:5). وعندما نزل من جبل التجلِّي قابله رجل له ابن يسكنه روح، فسأله يسوع: "كم من الزمان منذ أصابه هذا؟"(مرقس21:9). وعندما سأله تلاميذه عن موعد رجوعه إلى الأرض وعلامات مجيئه قال لهم: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ." (متى36:24). أؤمن أنَّه الآن جالس على يمين الآب، وهو يعرف بالفعل ساعة مجيئه. لكنه لم يكن يعلم حين كان على الأرض إذ كان الله نفسه لكنه كان إنسانًا محدودًا بالزمان والمكان. كان على يسوع أن يختبر معنى أن يكون بشريًا. وكان عليه أن يتعلَّم أمورًا بينما كان يكبر. وكإنسان لم تكن لديه كل المعلومات. فحين كان على الأرض وضع يسوع جانبًا جزءًا كبيرًا من طبيعته الإلهية. وقد كتب بولس في رسالته إلى أهل فيلبي:

"فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا. الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله.لكنه أخلى نفسه، آخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب." (فيلبي 5:2-8، التشديد مضاف).

نقرأ في هذا النص أنَّ يسوع أخلى نفسه من كلِّ شيء. والكلمة اليونانية kenoō تعني "أن يفرغ، أن يصبح دون أية محتويات، أن يحقِّر، أن يصبح بلا قيمة، أن يصبح بلا منفعة، أن يخلي أمرًا ما من قوّته. وتكون النتيجة عدم المقدرة على تحقيق الهدف." اعتمد يسوع على ارشاد الروح وقيادته عندما كان على الأرض تماما كما علينا أنا وأنت أن نفعل. ونقرأ في يوحنا 19:5 "فأجاب يسوع وقال لهم : الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك."

نظر يسوع من حوله على المرتمين بالقرب من البركة، ووجّه الآب انتباهه إلى الرجل المشلول معطيًا إيّاه نظرة ثاقبة. كان الآب قد رأى الرجل وعلم كل أمر عنه وأراد أن يشفيه. وحالما أظهر الآب إرادته للمسيح، سأل يسوع الرجل: "أتريد أن تبرأ؟"

لماذا برأيك سأله يسوع إن كان يريد أن يبرأ؟ ألم يكن موجودًا هناك لذلك السبب عينه؟

كان لا بدَّ لتغيُّرات كثيرة أن تحدث في حياة ذلك الرجل في حال برأ من مرضه. فشفاؤه كان سيغيِّر كلَّ نواحي حياته. كان سيبدأ بالعيش حقًا. ولن يتصدَّق الناس عليه من الآن فصاعدًا بل سيهتم هو بنفسه. وستقع المسؤولية عليه بأن يجد عملاً وبأن يصبح جزءًا طبيعيًا من المجتمع. ويتوجَّه هذا السؤال إلى قلوب الكثيرين منَّا: هل نريد أن نُشفى وأن نتغيَّر؟ هل نريد أن ندع قوَّة الله تقود حياتنا؟ العنصر الأهم في قبول قوَّة الله الشافية أو في تغيير حياتك هي رغبتك التامة لذلك. وقد طرح يسوع السؤال نفسه على بارتيماوس الأعمى في إنجيل مرقس الأصحاح العاشر. فعندما علم بارتيماوس أن يسوع كان مارًّا من هناك، صرخ بينما كان يتعثَّر في مِشيته قائلاً: "يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!" (مرقس47:10). وعندما استدعاه يسوع سأله: "مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟" (مرقس51:10). من المهم أن نعبِّر لله عن رغبتنا من نحوه. إنَّه يسمع لنا بينما نتألَّم ونصرخ إليه. فالشعب في العهد القديم لم يُطلق من العبودية في أرض مصر إلاَّ بعد أن صرخوا إلى الرب:

 

"فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ،فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ" (سفر الخروج7:3-8)

 

لا تكفَّ عن الصراخ إليه إن كنت تمر وسط الألم فإنَّه يرى ويسمع وهو يهتم لآلامك. لا تكتفِ بالتألَّم من دون أن تصرخ إليه ليشفيك. إن كنَّا نكتفي بما نحن عليه فنحن نمنع حدوث التغيير فينا. فالإكتفاء من دون الله هو من أخطر الأمور على هذه الأرض وقد يؤدِّي إلى تحطيم حياتنا. لدى الله طرقه ليجذب انتباهنا إليه. وقد يكون المرض أحيانًا هبة من الله ليوقظ الإنسان من كبوته الروحيَّة فيدرك حاجته للمسيح. فالله يستطيع أن يحوِّل ألمك إلى امتياز. ويكمن الفرق في ردَّة فعلك للألم ورغبتك بالتوجُّه إليه. هل ترغب فعلاً بأن تُشفى أو أن تتغيَّر؟ ووجود حياة الصلاة أو غيابها يدلاَّن عن مدى رغبتنا في اختبار قوَّته في حياتنا. لا أعلم لماذا يُشفى البعض ويبقى آخرون سقماء. سنجد الإجابة عن هذه الأسئلة في الناحية الثانية من حياتنا. ومهما تكن حالك، ثابر على الصلاة فيرى وجعك ويهتم لألمك. اطمئن لأنَّه يعلم ويرى وهو سيكافىء إيمانك بحسب وقته هو وبأسلوبه هو.

 

عليك أن تختار بين التعقُّل والتحجُّج والطاعة.

 

دارت إجابة الرجل حول غياب من يساعده على القفز في الماء عندما تتحرَّك. فأحيانًا نحد الله حين نفكِّر بأن شفاءه يأتي بطرق محدَّدة. يأتي شفاء الله من خلال وسائل نستوعبها مثل الأطباء والعلاجات الطبيعية التي اكتشفها الناس. لكن علينا أن ننتبه بأن الله يشفي من خلال وسائل فوطبيعية. يظنُّ البعض أنَّ الطبيب أو المستشفيات فقط يمكنها شفاءهم ولا يفكِّرون البتَّة في طلب المساعدة من الرب يسوع والصلاة له بلجاجة.

نحدّ من تسديد احتياجاتنا إن كنَّا نركِّز على طريقة واحدة لتسديدها. وأنا هنا لا أشجِّع الناس على عدم اسشارة الطاقم الطبي في حال احتياجهم، لكن علينا أن نكون منفتحين على فكرة بأنَّ الله مايزال يشفي اليوم وقد يختارك إن كنت تتقدَّم منه بالصلاة الواثقة. حتى وإن كنت تستشير الطبيب لمرض ما أشجِّعك على طلب الشفاء من الله أيضًا. رأى هذا الرجل الرب يسوع واقفًا أمامه لكنه طلب منه المساعدة لمن يلقيه في الماء! كان بانتظار ملاك يحرِّك الماء بينما كان الرب يسوع، الله المتجسِّد واقفًا أمامه ليخدمه شخصيًّا!

 

ماذا نتعلَّم من كونه لم يعرف من هو يسوع؟

 

نقرأ في العدد الثالث عشر أنَّ الرجل لم يعرف من شفاه. رآه رجال الدين حاملاً فراشه في السبت، ولم يكونوا ممتنين لشفاء الربّ له. لم يمجدوا الله ولم ينبهروا من عظمة رحمته، بل انتقدوا الرجل على حمله السرير يوم السبت الأمر الذي كانوا يمنعونه بالمطلق. وكان اليهود المتديِّنون يعتقدون أنَّ حمل أيِّ شيء يوم السبت هو كسر لإحدى الوصايا العشرة. وأرادوا أن يعرفوا من طلب منه أن يفعل ذلك. وبنظرهم لم يكن ذلك الرجل مخطئًا فقط بل أنَّ يسوع أخطأ أيضًا بكونه شفى إنسانًا يوم السبت. كم تعمينا عقائدنا الدينيَّة أحيانًا! لم يفهموا الموضوع من أصله؛ فالسبت وُضع للإنسان وليس الإنسان للسبت (مرقس27:2).لم يستوعبوا عظمة تلك الأعجوبة وعمل رحمة الله. لم يكن أحد يعرف من المرضى الموجودين من هو يسوع وإلا فإنَّهم قالوا له. وعندما سُئل الرجل من شفاه أجاب بأنَّه لا يعلم. يخبرنا النص أنَّ يسوع انصرف عن الجموع. لقد تواجد يسوع بينهم وكأنَّه كان متخفيًّا واختفى بعد أن شفى الرجل (ع 13). وهذا يخبرنا الكثير عن شخصية المسيح.

 

اندفاعه إلى الخدمة

 

لم يقم يسوع بالمعجزات والشفاءات لأيِّ سبب إلاَّ لكي يخلِّص الناس من آلامهم ولكي يمجِّد ويطيع الآب. وكلُّ ما فعله كان إطاعة للآب. لم يلفت الإنتباه إلى ذاته، بل بكلِّ بساطة شفاه ليحرِّره من آلامه. لم يطلب الرب من الرجل أن يؤمن به كابن الله؛ حتى أنَّه لم يخبره من هو. فيسوع يحب أن يقوم بالمعجزات والشفاءات لكي يتمجَّد الآب. ولم يسعَ للفت الإنتباه إلى ذاته بدوافع أنانية. وقد لاحظ متَّى موقف المسيح حين يصف خدمته كالتالي:

 

فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا. وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ:"هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ.قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ".(متى15:12-20، التشديد مضاف).

 

لاحظ أنَّه لم يرد أن يظهروه، وكان هدفه بأن يتمجَّد الآب من خلال شفاء المرضى. وقد استشهد متّى بكلام إشعياء النبيِّ ليصف شخصيته: لا يخاصم ولا يصيح.لم يكن مخاصمًا. ولم يجبر الناس على الإستماع إليه. لم يقم بالصراخ في الشوارع ولم يلفت الأنظار إلى نفسه. والوصف يشير إلى رجل يساعد قصبة مرضوضة تلوِّحها الرياح على الإنتصاب. ثم يشير إلى فتيلة أو شمعة مدخِّنة (أي أنها لم تعد مشتعلة) لا يطفىء بل يعالجها وينفخ عليها لكي تشتعل من جديد. يشير هذا الوصف الذي يستطيع أن يشفي ويشجِّع فاقدي الأمل واليائسين والمكسورين. يرافق هؤلاء وينفخ في حياتهم فيعطيهم سببًا للحياة وأملاً جديدًا ومستقبلاً. ألا يجب أن يحثَّنا هذا الوصف أن نتصرَّف مثله ككنيسة؟ علينا أن نحذو مثل يوحنا المعمدان ونختفي عن الأنظار لنعطي المجد لله. ونحن نتشبَّه بالمسيح عندما لا نلفت الأنظار إلى أنفسنا، بل نهدف إلى تمجيد الله كما فعل يسوع بالتمام.

 

لقد كان ذلك الرجل مقعدًا لثماني وثلاثين سنة، وطلب منه يسوع ما لا يمكنه فعله: " قم. احمل سريرك وامش." (ع 11). ومن المؤكَّد أنَّه شُفي دون النظر إلى إيمانه ومعرفته عن المسيح. لم يعلم الرجل المقعد من الذي يتكلَّم معه، لكنه بكل بساطة أطاع. وعندما نفَّذ ما طلبه منه يسوع تلقَّى قوَّة وانساب الشفاء في أطرافه. إلاَّ أن الكتاب المقدس يشير في أحيان كثيرة إلى قصص شفاء كثيرة حيث يكون لطالب الشفاء أو أي أمر آخر إيمان بالمسيح. لكن حادثة الشفاء هذه كانت مختلفة بعض الشيء. بالنسبة لي، كل ما امتلكه ذلك الرجل كان أملاً ضعيفًا بأن يصل إلى الماء فيُشفى. لكن كانت مضى عليه فترة طويلة هناك فأصبح كفتيلة مدخِّنة. أمله كان ضعيفًا لكن تمحورت حياته كلُّها من حوله. وحياته كانت تُختصر بكلمة: الإنتظار. وظهور يسوع على المسرح كان عملاً إلهيًّا لإجابة أمله الضئيل.

 

لقد أعطى يسوع أمرًا واحدًا: أن يحمل سريره ويمشي. لا نعلم ماذا جال في فكر الرجل إلاَّ أنَّه كان فاقدًا الأمل ومستعدًا أن يطيع حتى الطلب المستحيل الذي طلبه منه يسوع. ويمكننا التخيُّل بأنَّه شعر بسلطة يسوع الإلهيَّة عندما طلب منه ما هو مستحيل عليه القيام به. يبدو أن ما فعله كان قليلاً إذ تجاوب بطاعة مع طلب الرب يسوع. كانت هذه خطوة كبيرة بالنسبة له خاصة وأنَّه كان واضعًا أمله في الشفاء بواسطة القفز في البركة. وها يسوع يحوِّل تفكيره بالتمام بواسطة طلب واحد! نتعلَّم من ذلك أنَّه لا يمكننا أن نحدَّ الله في علبة. وهو يفاجئنا بشفائه بطرق مدهشة تفوق تفكيرنا، لكنه يطلب منا أن نطيع عندما يأمر. وقد طلب من الرجل ما هو مستحيل: أن يقوم ويمشي! وقد قال لآخر: "مُدَّ يَدَكَ."(متى13:12). وعندما مدَّ يده شُفي. وفي مرة أخرى تفل على الأرض (يوحنا6:9) وجبل طينًا ووضعه على عينيه فشُفيتا في الحال. ووضع اصبعيه في أذني آخر فشُفي (مرقس 50:4). لكن في حادثة أخرى نطق بكلمة وشُفي ابن رجل على بعد عشرين ميلاً (يوحنا 50:4). نحن نحدّ الله عندما نطلب منه أسلوبا معيَّنا بدل أن نفتح قلوبنا وعقولنا له قائلين: "لتكن إرادتك، ولتكن طريقتك يا رب." إنَّه يعمل مع الذي يطيع ما يقوله ببساطة! لم يشفِ ذلك الرجل بسبب فضيلة امتلكها بل لأنَّه أطاع الأمر البسيط الذي وجَّهه له.

 

نقرأ أنَّ الرجل شُفي للحال. لا يوجد ما يقول أنَّ الأيادي وُضعت عليه، أو أنَّ يسوع مدَّ يده ليساعده على النهوض! لا شيء! كلمة أمر وانتهى كل شيء! نقرأ: "فحالاً برئ الإنسان وحمل سريره ومشى." (ع 9).

 

ماذا برأيك كانت ردَّة فعل الناس عندما سمعوا بشفاء المشلول؟

 

لا بدَّ أن حادثة الشفاء سبَّبت بلبلة حول البركة. لا يخبرنا يوحنا عن مفاعيلها، لكن حاول أن تتخيَّل معي ما يمكن أن يكون قد حصل؟ ألا تعتقد أنَّ الموجودين صُعِقوا عندما رأوا الرجل قد شُفي في الحال؟ لا بدَّ أنَّه أثار هو نفسه ضجَّة عندما لاحظ أنَّه يستطيع المشي. أتخيَّل أنَّه طار من الفرح عندما استطاع حمل سريره للمرَّة الأولى خلال ثماني وثلاثين سنة! هل يمكنك أن تتخيَّل ماذا فكَّر الموجودون عندما رأوا ذلك الرجل يُشفى دون أن ينزل إلى البركة؟ لا بدَّ أن المشهد جذب "الشرطة الدينية" الذين ركَّزوا على أمرين: كيف حمل سريره في السبت؟ وعندما سمعوا شهادته أرادوا أن يعلموا من هو ذاك الذي يشفي في السبت.

 

نتعلَّم من هذا النص أنَّ الربَّ يهمه أن يتواصل مجدَّدًا مع الذين لمسهم بمحبَّته فنقرأ في العدد الرابع عشر أنَّ يسوع وجده في الهيكل. ولا بدَّ أنَّ يسوع فتَّش عليه ليعطيه بعض النصائح لما بعد الشفاء:

 

"بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له: ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضا، لئلا يكون لك أشر." (يوحنا14:5).

 

لماذا تكلَّم يسوع معه عن ارتكاب الخطيَّة؟ هل تعتقد مثلاً أنَّ المرض هو بسبب الخطيَّة؟

 

يوضح لنا الكتاب المقدَّس أنَّ المرض ليس دائمًا بسبب خطيَّة الإنسان. فنقرأ مثلاً في إنجيل يوحنا عن المولود أعمى، وسأل التلاميذ يسوع عن سبب ذلك: "يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ." (يوحنا 2:9-3). المرض ليس دائمًا نتيجة للخطيَّة. لكن يبدو من حديث يسوع مع الرجل أنَّه في حالته هو لا يجب أن يخطىء مجدَّدًا كي لا يحصل معه ما هو أسوأ. فالرب يهمُّه بأن نتحاشى مصايد العدوّ ونهرب من الخطيَّة.

 

متى كانت آخر مرَّة تأذَّيت أو احترقت؟ ماذا حصل؟ كيف أتى المسيح إليك؟ هل ما زلت متألِّمًا؟ هل أنت جاهزٌ لتمدَّ يدك لشفاء المسيح حتى ولو عنى ذلك أنَّ حياتك ستتغيَّر؟

 

من المفضَّل أن تُختم الحلقة بالصلاة بعد أن يشارك الموجودون باختباراتهم:

صلاة: أشكرك أيُّها الآب لأنك أرسلت يسوع إلى ظلمة وآلام حياتنا. نسألك أن تأتي

اليوم من جديد وتشفي الذي تأذَّى فانتهى به الحال كجمرة مشتعلة. انفخ فينا من روحك فنحيا من جديد. أمين.

 

 

Keith Thomas

Website: www.groupbiblestudy.com

Email: keiththomas7@gmail.com

 

bottom of page