6. God so loved the world

هكذا أحب الله العالم

هكذا أحب الله العالم

يوحنا11:3-21

أفضل مشهد رومنسي رأيته في حياتي كان في عرس جرى في كنيسة  جميلة قديمة في مدينة كولتشستر، أسكس في انكلترا. وكانت اللحظة المميّزة حين دخلت العروس أخذ العريس بإنشاد أغنية حب بينما كانت تتجه صوبه.  يا له من أمر جميل أن تشهد لحظات رقيقة بين رجل وامرأة؛ والعروس مشدوهة  من التفاتة عريسها الرومنسية.

سؤال للتفكير: ما أفضل مشهد رومنسي رأيته أو سمعت عنه؟

الله نفسه أخذ المبادرة ليتواصل معنا من السماء نحن عروسه فنذهب معه كما يتم في الزواج. فمن التكوين إلى الرؤيا نقرأ في الكتاب المقدس عن كيف أحب الله الجنس البشري حتى أنه اتخذ اجراءات غير اعتيادية ليجذبنا إليه بعد السقوط في جنّة عدن. ويتحدث سفر الرؤيا آخر سفر في الكتاب المقدّس عن القديسين المولودين من جديد بالروح القدس الذين استعادوا علاقتهم بالله فيشبِّههم بالمدينة النازلة من السماء:

        وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً:«هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ. (رؤيا يوحنا2:21-3).

ويذكر بولس فكرة كون الكنيسة عروس المسيح وتهيئتها للزواج في تعليمه، فيقول:"فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ." (2كورنثوس2:11).

أظهر الله للإنسان أنّه لا يمكن للعلاقة معه أن تُستعاد إلاّ بذبيحة بديلة؛ فكان على حمل بديل أن يموت مكان الإنسان ليفديه أو ليُشترى من العبودية (خروج3:12-13). وقد أظهر للشعب في البرّية أنّه يمكن للإنسان أن يتطهّر من خطاياه ويقترب من الله القدّوس من خلال سفك دم حيوان كذبيحة بديلة عنه (خروج44:29-45). وكل ذبائح الخطية في العهد القديم تشير إلى الذبيحة العظمى التي شهدها التاريخ إذ تجسّد الله القدّوس بإرادته وقدّم نفسه كفّارة عن خطايانا. فالمحبّ الأعظم في العالم كله أتى لكي يجذب قلوبنا من خلال أعظم عمل محبة شهده العالم؛ إنّه موت المسيح على صليب الجلجثة. وإن لم يكن هذا كافيًا فقد جعل محبته متوفّرة مجانا لكل من يقبلها. أتم العمل إلى التمام وليس هناك أي أمر نقوم به لكي نزيد عليه. ما علينا سوى قبول عطيّة العطايا هذه.

نعود إلى الحديث الذي جرى بين نيقوديموس ويسوع في النص الذي نحن بصدد دراسته والذي يفسّر عطيّة الله وكيف تُقدّم للذين يتجابون معه بالإيمان:

        اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّنَا إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ بِمَا نَعْلَمُ وَنَشْهَدُ بِمَا رَأَيْنَا، وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَ شَهَادَتَنَا.

        إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ؟

        وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ.

        «وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ،

        لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

        لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.

        اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ.

        وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ».(يوحنا11:3-21).

         

قرأنا في الدرس السابق (الأعداد 1-10) عن بحث نيقوديموس عن إجابة للسؤال الأصعب في الحياة: كيف يمكن للإنسان أن يصبح بارا بنظر الله؟ وعندما أجابه يسوع بأنه يجب أن يولد من فوق أو يولد ثانية، أجاب :«كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هذَا؟»(يوحنا9:3). سندرس هذا المقطع بالتفصيل. دعونا نركّز على الكلمة المفتاح:

ما هي الكلمة التي وردت سبع مرات في هذه الأعداد الإحدى عشرة؟ ما الذي يجعلها مهمة لدرجة أن تُعاد عدّة مرّات؟

ترد الكلمة المهمة في اللغة اليونانية كالتالي Pisteuō والتي تُرجمت إلى الإنكليزية believeأي أن نؤمن ونثق ونصدق.[1]

دعوني أقدّم صورة تشبيهية لهذه الثقة: تخيّل أن الرب يسوع يأتي إلى قصر أحدهم وينتظر الباب الحديدي لينفتح. أما قرار فتحه فمتعلّق بثلاثة أشخاص واقفين هناك. يتكلّم الضمير أولاً: "نحن في مأزق لأننا كسرنا وصاياه ونحن مذنبون." يجيب العقل قائلاً: "إنّه يقدّم لنا العفو مجانا؛ فما علينا سوى أن نفتح الباب. دعونا نفتحه." ولدى الشخص الثالث المقدرة ليفتح الباب؛ إنّها الإرادة. تستمع إلى آراء الاخرين ويبقى القرار عندها. لا يدخل المسيح بالقوّة إلى حياتنا، فقد  أعطانا حرية الإختيار. إن الإيمان وقبول المسيح هما عمل الإرادة وليس فقط قبولا عقليا لحقائق الإنجيل.

 

غالبًا ما تستعر معركة داخل روح الإنسان عندما يتواجه مع حقائق إنجيل المسيح. فعدو نفوسنا يهمس في العقل شتى أنواع الأسئلة في محاولة منه ليقنع الإرادة بعدم فتح الباب. لدينا حرّية الإختيار بفتح الباب وبدعوة المسيح للدخول والملك على حياتنا. الإيمان هو فعل إرادة؛ فبعدما يتكلّم العقل والضمير يتقدم الإنسان بالإيمان إلى الله مؤمنًا أنه بإمكانه تصديق الله. وعندما يسلّم إرادته ويثق يالإيمان بما عمله المسيح من أجله يولد من جديد. وقد وعدنا المسيح أنّه عندما نسلّمه حياتنا لن يتركنا أبدًا (عبرانيين5:13)؛ إنما علينا أن نقرّر أن نحمل صليبنا كل يوم ونتبعه (لوقا23:9). المسير في خطى الله هو عمل الإرادة. ونحن ندخل في معركة طيلة أيام حياتنا حيث أن عقلنا يكون ساحة المعركة. نربح المعارك أو نخسرها بحسب القرارات التي نتخذها. نخسر أحيانًا بسبب التجربة، لكني أؤمن أنّه بينما ننمو وننضج ويصبح بمقدورنا أن نتخطّى التجارب ونستقبل نعمة الله. إنما يمدنا الرب يسوع بالمعونة حين نسقط في الخطية ونتوب ونطلب الغفران فيعاد بناء العلاقة معه (1يوحنا9:1).

 

هل تذكر خوض معركة في عقلك قبل أن تتخذ القرار بالإيمان بالمسيح؟ ناقش. وإن كنت لم تتخذ هذا القرار بعد، ما الذي يعيقك من اتخاذه؟  

تذكّر أنّ العقل هو ساحة المعركة الروحية. فعدوّ روحك يريدك أن تظن أن أفكارك تنتج منك فقط. لكن هذا الأمر غير صحيح. فكلمة الله تُزرع في قلوبنا كما وضّح يسوع في مثل الزارع (لوقا4:8-15)، لكن في مثل الشوك (متى24:13-26) نرى العدو ينشر بذاره في الأرض الخصبة. ويمثّل القلب برأيي جوهر داخل الإنسان؛ روحه، عقله، إرادته وعواطفه (1تسالونيكي23:5). والعدو ينشر بذاره في حقل عقلك؛ فليست كل أفكارك تنبع من عقلك فقط إذ هناك مصادر روحية أيضًا. والأفكار التي تُزرع في قلبك وعقلك تأتي من ثلاثة مصادر: الله والشيطان وأفكارك الخاصة. وأنت تصبح بما عليه بسبب ما تسمح أن ينمو هناك وبسبب أفكارك المجذّرة. أمّا الإيمان فهو قرار واعٍ لتسليم كل ما تملك وما أنت عليه للمسيح. فأنت لن تكون بعد ملكًا لنفسك لأنك اشتُريت بثمن هو دم المسيح المسفوك من أجلك (1كورنثوس20:6).

في بداية هذه الدراسة تكلمنا عن خطة الله بتأسيس اتحاد بينه وبين الإنسان، وأنه ما علينا سوى أن نفهمها  ونقبلها بكل بساطة. فكثيرون يواجهون صعوبة ببساطة رسالة الإنجيل وحجتهم هي أنّ أمرًا مهما كمصير الإنسان الأبدي لا بد أن يكون الحصول عليه صعبا جدا. ويظنون أن بامكانهم الحصول عليه بواسطة العمل الشاق والجهاد. أو أنهم ينظرون إليه كأحجية غامضة.

          "اُنْظُرْ. هذَا وَجَدْتُ فَقَطْ: أَنَّ اللهَ صَنَعَ الإِنْسَانَ مُسْتَقِيمًا، أَمَّا هُمْ فَطَلَبُوا اخْتِرَاعَاتٍ كَثِيرَةً." (سفر الجامعة29:7)

          يخترع الإنسان كل الوسائل لكي يتخلّص أو يقلّل من التبكيت في قلبه. فالعديد من الديانات تخبرنا أنه إن عملنا حسنا وبجد بتسلّق السلالم سنصل إلى مبتغانا عند نهاية حياتنا. لكن، ما هي كمية الصلاح الكافية؟ حتى نيقوديموس اعترف أن كونه من الستة آلاف فريسيا، وأحد السبعين شيخًا في إسرائيل، ومعلّم الأمة لم يكن كافيًا ليحصل على التبرير! أما يسوع فكانت لديه رسالة واضحة لكل الذين يسعون مجاهدين لينالوا الخلاص:

        فَقَالُوا لَهُ:«مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟»

        أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«هذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ».(يوحنا28:6-29)

  

لقد قدّم لنا الله عطية العطايا وما علينا إلا أن نتسلمها بكل بساطة. وهذه العطية متاحة لكل الذين يؤمنون. قال يسوع إنّ الله جعلها بسيطة لدرجة أن الأولاد يمكن أن يقبلوها بالرغم من معلوماتهم المحدودة عن الموضوع. فقال بصراحة: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ." (لوقا17:18)

ما هي الدروس التي يمكن أن نتعلّمها من الأولاد؟ لماذا علينا أن نقبل ملكوت الله مثل الأولاد؟

يمكن للأولاد أن يعلّمونا بضعة دروس هنا إذ أنهم بكل بساطة يصدقون ويثقون بما يخبرهم به أهلهم. عندما كان ابني طفلا صغيرا بالكاد يستطيع المشي كان يقفز إلى حضني من دون أن يخاف مرة واحدة من أن يقع أرضا، ولم يكن حتى ينظر إلى الإرتفاع. أما حين نكبر فنريد أن نفهم كل شيء قبل أن نرمي أنفسنا في ذراعي الآب.

 

وذكّر يسوع نيقوديموس بقصة تشير إلى بساطة الإيمان والثقة، وبأن الإنسان يستطيع أن يولد من جديد بمجرد النظر إلى عمل المسيح الكامل على الصليب: "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ." (يوحنا14:3-15). دعونا نلقي نظرة أقرب إلى النص الموجود في سفر العدد والذي استشهد يسوع به ونرى ما يمكننا تعلّمه:

          وَارْتَحَلُوا مِنْ جَبَلِ هُورٍ فِي طَرِيقِ بَحْرِ سُوفٍ لِيَدُورُوا بِأَرْضِ أَدُومَ، فَضَاقَتْ نَفْسُ الشَّعْبِ فِي الطَّرِيقِ. وَتَكَلَّمَ الشَّعْبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى مُوسَى قَائِلِينَ: «لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ لأَنَّهُ لاَ خُبْزَ وَلاَ مَاءَ، وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ».

          فَأَرْسَلَ الرَّبُّ عَلَى الشَّعْبِ الْحَيَّاتِ الْمُحْرِقَةَ، فَلَدَغَتِ الشَّعْبَ، فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ. فَأَتَى الشَّعْبُ إِلَى مُوسَى وَقَالُوا: «قَدْ أَخْطَأْنَا إِذْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَيْكَ، فَصَلِّ إِلَى الرَّبِّ لِيَرْفَعَ عَنَّا الْحَيَّاتِ». فَصَلَّى مُوسَى لأَجْلِ الشَّعْبِ.

          فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا». فَصَنَعَ مُوسَى حَيَّةً مِنْ نُحَاسٍ وَوَضَعَهَا عَلَى الرَّايَةِ، فَكَانَ مَتَى لَدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَانًا وَنَظَرَ إِلَى حَيَّةِ النُّحَاسِ يَحْيَا. (سفرالعدد4:21-9)

 

ما كانت نتيجة تذمرهم على الله؟ ما الأمران اللذان كان عليهم القيام بهما ليشفوا، وكيف يشبه ذلك ما علّمه يسوع لنيقوديموس؟

 

نقرأ أن كثيرين ماتوا (ع6). وأتساءل كم منهم مات لأنّه رفض أن يقبل الحل المقدّم له. فالخلاص كان أمام أعينهم، لكن ربما تجاهلوه كما يفعل الكثيرون في أيامنا. وإني متأكّد أنّه لم يستطع بعضهم استيعاب فكرة النظر ببساطة إلى حيّة نحاسية معلّقة على عامود. والحيّة تشير إلى الخطيّة، أما النحاس فكان يشير إلى الدينونة إذ كان المذبح مصنوعًا منه. والصورة تشير هنا إلى أن الخطية قد دينت وأنّ كل من ينظر إليها يشفى. وقد شبّه الكتاب ذلك إذ نقرأ: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (2كورنثوس21:5) لقد أخذ مكاننا وأدان الله الخطية على الجلحثة. لهذا صرخ المسيح على الصليب:"إلهي، إلهي لماذا تركتني."(مرقس34:15). فعندما عُلِّق المسيح على الصليب، أُدينت الخطية به. لقد كان هو الذبيحة البديلة وحمل الفداء. وعلينا أن ننظر إليه بأعين إيماننا لكي نُشفى من لسعة الحيّة المؤلمة.

 

طرق الله أعلى من طرقنا. فإذا كان قد سهّل لنا أمر التوبة والنظر إلى الصليب، لماذا لا نؤمن ونثق به؟ وقد كتب إشعياء النبي عن بساطة الخلاص قائلاً: "اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ." (إشعياء22:45). وقد استخدم الله تلك الآية لربح تشارلز سبورجن الواعظ البريطاني العظيم. فقد فاجأته عاصفة ثلجية بينما كان متوجها إلى كنيسته في منطقة كولتشستر، أسكس في انكلترا حيث سكنت لفترة من الزمن. لم يستطع الوصول للكنيسة فدخل إلى كنيسة صغيرة بالقرب منه. وحدث أن الواعظ لم يستطع الوصول إلى الكنيسة فشارك أحد الشيوخ بكل بساطة عن ضرورة تثبيت أنظارنا بأمانة على المخلّص المصلوب. وكان سبورجن يعمل جاهدًا لينال الخلاص، إلا أنه اقتنع عندئذ بالتطلّع ببساطة إلى الصليب، فوُلد من جديد في تلك الكنيسة الصغيرة في عمر السادسة عشر. وحين بلغ التاسعة عشر كان يعظ أمام جماهير غفيرة.

 

لا أستطيع أن أفسّر كيف أن نظرة إلى المخلّص على الصليب ممكن أن تمحو خطاياي؛ لكني أؤمن بذلك بكل بساطة، وقد تغيّرت حياتي بقوّة الله. فالإنجيل هو: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ." (رومية16:1).  لا تحاول أن تفهم كل شيء قبل أن تتخذ خطوة الإيمان تلك. ما عليك سوى أن تسلّم كل شيء بين يديه كالولد الصغير!

 

لماذا يجعل الله أمر الخلاص سهلاً على البشر؟ وما هي بعض حجارة العثرة التي يواجهها الناس في فهم بساطة الإنجيل؟  

لقد سهّل الله موضوع الخلاص حتى يلتفت أكبر عدد من الناس إليه ويخلصوا. يخبرنا الكتاب المقدس: "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ." (2بطرس9:3). والدافع لكل ذلك هو محبته لنا واهتمامه لحالتنا. فهو يعلم أننا مكبّلون بالخطيّة وتحت سيطرة العدو الروحية ومكره. ويحاول العدو أن يبعدنا عن المصالحة مع الله فيزرع في عقولنا صورة عن الله كالأب الغضبان الذي يريد معاقبتنا كل ما تسنح له الفرصة ، لكن الحقيقة هي العكس تماما: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. " (يوحنا 16:3-17).  

 

أحبنا الله لدرجة أنه قدّم لنا ابنه الوحيد. لو كانت هنالك طريقة أخرى لتصالحنا مع الله، ألا تظن أنه كان سيقبلها؟ لم يكن الله قد وضع ابنه تحت ذلك الألم لو كان حفظ الوصايا والناموس يحقق المصالحة معه. نقرأ أنه أحب لدرجة أنه أعطى. لم يحبنا أية محبة بل أنه قدّم ابنه. أحبك لدرجة أنه تحمّل رؤية ابنه يُعذَّب ويُقتل على أيدي رجال أثمة جدلوا السيطان وصرخوا قائلين:"اصلبه، اصلبه." هؤلاء سيدانون ما لم يحصلوا على غفرانه. لكن خطايانا نحن أيضا جعلت المسيح يموت على الصليب. لقد حمل هو نفسه الإنفصال بالموت والجحيم التي أستحقهما بسبب خطاياي.

 

المشكلة أنني سأهلك عند موتي من دون مخلّص (ع 16). فكل من لا يؤمن أو لا ينظر إلى صليب المسيح سوف يهلك من دون مخلّص. والله لا يريد أن يهلك أي كان بل أن يقبل الجميع إلى التوبة. وكلمة "أحب" في العدد 16 تعود إلى الأصل اليوناني Agapaō والتي تعني أن يحب ويقدّر ويعلّي ويتكرس ويقدّم الولاء ويهتم وهي نادرا ما تُستخدم خارج إطار الأدب الديني، وغالبا ما تُستخدم لشرح معنى كلمة hesed العبرية والتي تعني الرحمة  .[2]أما كلمة محبة هنا فتشير إلى المحبة المضحية عن تصميم وإرادة. وقدّم لنا الله موت المسيح كوسيلة لنقترب منه ونستمد العون منه يوميا إذ نتطلّع إليه. لقد أُزيل حاجز الخطية بموت البديل عنك.

 

أود أن أشارككم بقصة والتي أعتقد أنها تفسّر نوع المحبة التي نتكلّم عنه :

يحكي إرنست غوردون في كتابه "أعجوبة على نهر كواي" قصة حقيقية عن مجموعة من سجناء الحرب كانوا يعملون في سكة حديد مدينة بورما في الحرب العالمية الثانية. وكانت تُجمع العدة عند نهاية كل يوم. وفي أحد الأيام صرخ أحد الحراس اليابانيين بأن رفشًا كان مفقودًا وأراد أن يعرف من هو السارق. تصاعد غضبه وأخذ يصول ويجول مهدِّدا ومتوعدًّا. لم يتحرك أحد. صرخ:"سيموت الجميع! سيموت الجميع!" وصوّب بندقيته على السجناء. في تلك اللحظة، تقدم أحدهم فأخذ بضربه بأسفل البندقية حتى فارق الحياة دون أن ينبس بكلمة. عندما رجعوا إلى المخيّم أعيد تعداد العدة وتبين أن لا رفش مفقود. فقد أخطأ الجندي الياباني في العد. لقد تقدّم ذلك الرجل نيابة عن الجميع لكي يخلصوا.

الله في المسيح أصلح العالم بنفسه. أحبنا لدرجة أنه قدّم نفسه فدية لأجلنا. عندما سمعت لأوّل مرّة أن الله يحبني أنا شخصيًا، كان ذلك أعظم خبر تلقيته! لماذا لم يخبرني أحد بذلك من قبل؟ لم أصدق أني جلت العالم مفتشا عن أجوبة للحياة ولم بخبرني أحد في بلدتي بهذه الحقيقة. لقد خسرت والدتي في سن الخامسة، ولم أسمع قط كلمة: "أحبّك." وكان في قلبي توق لكي يحبني أحد لمجرّد من أنا وليس لأمر أفعله. وكان أمر ما ناقصا في حياتي كقطعة أحجية لم تكتمل، ولم أعرف ما هو. انكسر قلبي وذاب في محبة الله عندما التقيت يسوع المسيح. أذكر أني تركت المكان الذي آمنت فيه واستقليت باصا إلى فلوريدا وكنت أقرأ كتاب "أقدام على مرتفعات" للكاتبة هانا هورنارد. بكيت كثيرا حين اكتشفت أكثر كيف كان الله يجذبني إليه، وهو لم يتركني من لحظة ما صرخت إليه عندما قاربت الموت جراء جرعة زائدة من المخدرات.

لقد فتشت عن الحق لما يقارب الخمس سنوات. وأخيرا سمعت الرسالة وولدت من جديد عندما اكتشفت أن الله يحبني. كنت وما زلت مشدوها بأنه يحب شخصا مثلي كان مدمنا على المخدرات. ليس فيّ أي أمر مميّز، لكنه أحبني وهو يحبك أنت أيضا . لا يهم ماذا فعلت أو إلى أين ذهبت؛ هو يحبك. تعال إليه، واختبر محبته لك شخصيا! لقد رأى حاجتنا بأن نولد من جديد لكي نحصل على الحياة منه. لذلك أتى الذي يستطيع أن يقدّم حياته فدية من أجلنا لكي يعتقنا من عبودية ابليس. وكل من يؤمن بهذا تكون له الحياة الأبدية (ع 16).

 

ما معنى أن تكون لنا الحياة الأبدية؟

الحياة الأبدية هي أكثر من مجرّد العيش إلى الأبد، بل هي حياة على مستوى جديد. إنها الحياة كما أرادها الله؛ محورها المسيح ومقادة بالروح وبالمحبة الفياضة. عندما نقبل المسيح، تُغفر خطايانا ونقف مبررين أمام الله بسبب عمل المسيح الكامل على الصليب الذي لا يمكننا أن نزيد عليه ولا أن نكسبه بل نقبله كعطية من الله. تبدأ الحياة الأبدية حين نطلب من المسيح بكل صدق أن يدخل إلى حياتنا بعد أن نتوب عن خطايانا. ما علينا أن ننتظر حتى نموت لكي نختبر الحياة الأبدية، بل هي تبدأ عندما نولد من فوق أو من جديد.

ثم يتابع يسوع قائلا: "اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ ." (يوحنا 18:3).

الأمر واضح جدا إذ أن يسوع يقول إن لا خطة إنقاذ أخرى. وإن لم نؤمن بما يقوله الكتاب المقدّس عن موت المسيح بدلا عنا فسنهلك. يقول يسوع إنّ من لا يؤمن أو من لا يضع ثقته في المسيح قد دين. فهناك مملكتان فقط في هذا العالم: مملكة الشيطان ومملكة الله. وقد قال يسوع:"مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ." (متى30:12). فإن كنا لسنا ملكا له من خلال الولادة ثانية من الروح فنحن ما نزال سكان مخيم ابليس (كولوسي13:1). وينهي يسوع المقطع قائلاً: "وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ." (ع21). أفهم من ذلك بأن كل من لديه قلبا صادقًا ويريد أن يحيا الحياة التي تمجد الله سيقبل الحق عندما يسمعه. وكل من يعمل الشر يكره النور ولا يتقدم منه لأن أعماله شريرة. هل تختار بأن تأتي إلى النور؟

 

صلاة: أيها الآب ساعدني أن أختار كل يوم بأن أتبعك ببساطة الأولاد. ساعدني أن أثق بك من كل قلبي تماما كما يفعل الولد. إني أختار بأن أؤمن بأن مخططك هو الأفضل لي.

 

Pastor Keith Thomas

Website: www.groupbiblestudy.com

Email: keiththomas7@gmail.com

 

 

 

 

 

[1] Key Word Study Bible, AMG publishers, Study of 4409, Pisteuō, Page 1662.

[2] Key Word Study Bible, AMG publishers, 26 Agapaō, Page 1571.