39. The Seven Sayings on the Cross

صلب المسيح

​​سؤال للمشاركة: إن سنحت لك الفرصة بإختيار جنَّة خاصَّة بك، كيف تريدها أن تكون؟

"فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ.

فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»،

حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ.

وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا:«يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ».

فَقَرَأَ هذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالّلاَتِينِيَّةِ.

فَقَالَ رُؤَسَاءُ كَهَنَةِ الْيَهُودِ لِبِيلاَطُسَ: «لاَ تَكْتُبْ: مَلِكُ الْيَهُودِ، بَلْ: إِنَّ ذَاكَ قَالَ: أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ!».

أَجَابَ بِيلاَطُسُ:«مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ».

ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:«لاَ نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ:«اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ.

وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ.

فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ:«يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ».

ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ:«هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ.

بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ:«أَنَا عَطْشَانُ».

وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَّلاً، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ.

فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ:«قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ." (يوحنا 16:19-30).

طريق الآلام، الطريق إلى الصليب

في اللحظة التي أطلق فيها بيلاطس الحكم على يسوع، أخذه الجنود من هناك. وأُخِذ على الأرجح إلى إحدى ثكنات الجنود الرومان، حيث تمَّ تعيين أربعة جنود لصلبه. ورُبِط الجزء الأفقي من الصليب على كتفيه، وسيق إلى خارج الثكنة حيث كان سيمشي الطريق الطويل المؤدِّي إلى مكان الصلب. وكان ذلك المكان في موضع عام حيث يمكن للداخلين والخارجين من المدينة رؤيته. ويعتقد آباء الكنيسة الأولى أنَّه عندما حمل يعقوب الحطب ليستخدمه والده إبراهيم في تقديمه ذبيحة لله (تكوين 6:22) كان ذلك إشارة إلى حمل يسوع للصليب. وكان يُعيَّن لكل محكوم بالصلب أربعة جنود (quaternion) يرافقونه. وكان في العادة يمشي أحدهم في الطليعة وهو يحمل سبب الصلب. وكان هدف ذلك توليد الخوف في نفوس الناس كي يتروّوا في إرتكاب أيَّة جريمة.

وكان الرومان يستخدمون وسيلة الصلب لأربعة أسباب:

1. الموت صلبًا مؤلم جدًّا.

2. عملية الصلب بطيئة جدًّا.

3. كان الصلب يُقام في العلن.

4. كان الصلب أمرًا مهينًا، وكان بمثابة رادع لإرتكاب الجرائم والتعدِّيات.

وأمر بيلاطس أن تُكتَب اللافتة التي تحمل سبب الصلب باللغة الآراميَّة واللاتينية واليونانية: يسوع الناصري، ملك اليهود. لكن إنزعج قادة اليهود من هذا السبب المكتوب وأرادوا أن يغيِّروه إلى: يسوع الذي قال إنَّه ملك اليهود. لكن:"أَجَابَ بِيلاَطُسُ:«مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ».(يوحنا22:19). وكأنِّي بالله الآب يعلن الحقيقة من خلال بيلاطس، ولم يسمح بتغيير العبارة. لكنَّنا لا نعلم نوايا بيلاطس بالنسبة لهذا الأمر. وكانت تلك اللافتة تُعلَّق على الصليب فوق رأس المصلوب. لكن، لم يكن يسوع قد إرتكب أيَّة جريمة، وبيلاطس نفسه أعلن أنَّه لم يجد فيه أيَّة علَّة. ويبدو أنَّه أمر بوضعها لإغاظة اليهود الذين كانوا قد صرخوا قبل ساعات:"ليس لنا ملك إلاَّ قيصر!"

لا يهم ما كانت نوايا بيلاطس، لكن عُلِّقت تلك اللافتة ورآها جميع المارَّة. لقد أُعلنت ربوبيَّة المسيح من على الصليب. ومن اللافت أنَّها حملت ثلاث لغات هي الآراميَّة واللاتينيَّة واليونانيَّة. وقد أشار وليم باركلي إلى ذلك قائلاً:"كانت تلك اللغات الثلاث الأكثر إنتشارًا في العالم القديم، وكانت تمثَّل الشعوب الثلاثة العظمى. وبنظر الله، تقدِّم كلّ أمَّة درسًا للعالم، وقد إمتازت تلك الدول الثلاث بمساهماتها العظمى للعالم وللتاريخ العالمي. وقد إكتمل كلّ ذلك في شخص يسوع. ففيه وُجِد الجمال الفائق وفكر الله السامي. وفيه وُجِد ناموس الله ومملكته. وفيه وُجدت صورة الله. فكلّ ما يسعى إليه العالم ويبتغيه يكتمل في شخص يسوع. وإطلاق لقب ملك على يسوع في تلك اللغات الثلاث هو أمر رمزي بإمتياز."

عندما نفكِّر بالمكان الذي صُلب فيه يسوع، لا بدَّ أن نجد أنَّه مكان مميَّز جدًّا أيضًا. كان يقع خارج المدينة على طريق عام يمر عليه الناس. ولا بدَّ أنَّ يسوع سمع إهانات الناس له. وهناك في أورشليم اليوم مكانان يُقال إنَّه يمكن أن يكون أحدهما المكان حيث صُلِب المسيح. ويسمَّى كلّ منهما "الجلجثة". المكان الأوَّل هو الضريح الكاثوليكي المقدَّس الذي هو داخل المدينة، لكنَّه كان في زمن المسيح خارج السور الغربي للمدينة. ويقع المكان الثاني في الجهة الشماليَّة للمدينة، وخارج السور أيضًا. وقد أُطلِق عليه إسم ضريح البستان أو جلجثة غوردون. فتشارلز غوردون هو من عيَّن هذا الموقع بين عامي 1882\1883م. ويقع ضريح غوردون بالقرب من منحدر صخري يحتوي على فجوتين عميقتين تشبهان العينين. واللافت أنَّ الصخرة بأكملها تشبه شكل الجمجمة. وقد شوَّه السوَّاح شكلها بأخذهم أجزاءًا من الحجارة إلى بلادهم، لكن تُظهر الصورة المأخوذة في العام 1917م التي أخذها البريطانيون عند إحتلال أورشليم شكل الجمجمة بكلِّ وضوح. وقد فسَّر غوردون تسمية ذلك المكان بالجلجثة الذي يعني حرفيًّا "الجمجمة" بسبب شكل الصخر. كذلك فإنَّ الكلمة  Calvary المشتقَّة من اللغة اللاتينيَّة تحمل المعنى نفسه.

وحملت تسمية ذلك المكان إقتراحات أخرى، منها أنَّ جمجمة آدم كانت قد دُفنت هناك. كذلك، يقترح البعض أنَّه مكان ممتلىء بجماجم المجرمين المتعفَّنة الذين كانوا يُصلبون هناك. لكن لا يحمل هذا التفسير منطقًا إذ يمنع الناموس اليهودي تعفّن الأجساد الميتة. بالمقابل كانت وسيلة القتل التي إعتمدها الرومان تستمر لعدَّة أيَّام، وكانت الأجساد تتعفّن على الصلبان كتحذير للآخرين. لكن الناموس اليهودي منع ذلك قطعيَّا، وقد نصَّ على أنَّه يجب إنزال الأجساد المصلوبة قبل حلول الظلام (تثنية 22:21-23).

لا يهم سبب إطلاق هذا الإسم على ذلك المكان، لكنَّه كان مكانًا موحشًا للغاية. وكان خارج المدينة وقد خُصِّص لإنزال القصاص بالمجرمين وللتأكيد أنَّهم مرفضون في المجتمع. هذا هو المكان الذي قدَّم فيه ملك الملوك نفسه من أجلنا. وقبل أن يدقّوا المسامير الطويلة في يديه ورجليه قدَّموا له شرابًا: "وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» أَعْطَوْهُ خَّلاً مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ." (متى 33:27-34)

نقرأ في متى 33:27-34 أنَّهم قدَّموا ليسوع خلاًّ ممزوجًا بمادة مرَّة. ويخبرنا مرقس أنَّهم مزجوا مع هذا الشراب مادة مخدَّرة. لماذا برأيك، رفض يسوع أن يشربه؟

كان الأنبياء قبل مئات السنين من صلب يسوع قد كتبوا عن عبد الربّ المتألِّم الذي سوف يقوم بالعمل كاملاً لإعادة الشركة بين الله والناس. ويقول البعض إنَّ داود الملك هو من كتب المزمور 69. لا يهم من كتبه، بل المهم هو أنَّ تلك الكلمات تنبَّأت عن إعطاء المسيح الخل الممزوج بالمرِّ.

"أَنْتَ عَرَفْتَ عَارِي وَخِزْيِي وَخَجَلِي. قُدَّامَكَ جَمِيعُ مُضَايِقِيَّ.

الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ. انْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ.

وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاُ." (مزمور 19:69-21).

كان الهدف الرئيسي من مجيئه إلى العالم هو أن يموت على الصليب من أجل خطايا الناس. ولم يرد أن يشرب أي شيء يمكن أن يُفقده حواسه في ذلك الوقت الدقيق. لقد أتى المسيح ليذوق الموت أو القصاص الكامل بدل كل إنسان (عبرانيين 9:2). وعندما رفض المرَّ المــُخدِّر الذي قدَّموه له علَّقوه على العارضة الخشبية الأفقيَّة وثقبوا يديه ورجليه بمسامير يقارب طول كل واحد منها خمسة عشر سنتيمترًا. وقد ظنَّ معظم الرسامين الكلاسيكيين أنَّ المسامير دُقَّت في كفي يسوع، لكنَّنا نعرف الآن بسبب التأريخات الرومانيَّة أنَّ المسامير كانت تُدَّق في عظام المعصمين. ثمَّ تمَّ رفع الخشبة الأفقيَّة ووُضعت فوق الجزء العامودي من الصليب. وكان على الجنود أن يجمعوا القدمين ويطووا الرجلين لكي يدخلوا فيهما مسمارًا.

وتشير إحد التأريخات أنَّه تمَّ إستعمال أربعة مسامير، وأنَّهم دقَّوا المسامير في الرجلين منفصلتين. وكانت توضع قطعة من الخشب تحت رجلي المحكوم لكي يستطيع أن يلقيهما عليها ويمدّهما لكي يسمح لرئتيه بإستنشاق الهواء. وبينما كان وزن الجسد يُلقى على المسامير، لا بدَّ أنَّ الألم كان لا يُطاق خاصَّة وأنَّ الرسغين كانا يلقيان بثقلهما على اليدين. وكان إستنشاق الهواء يساعد على إطالة فترة التعذيب.

دعونا الآن نلقي نظرة على توقيت موته. لم تكن صدفة أن يُصلب يسوع في الفصح. ومن المحزن أنَّه في الوقت نفسه لصلبه كانت تُقدَّم حملان الفصح في الهيكل على بعد بضعة أمتار. وكان الشعب الإسرائيلي سيتناول في تلك الليلة من لحم تلك الحملان. وقد دوَّن يوسيفوس المؤرِّخ أنَّه تمَّ ذبح أكثر من 256000 حمل في إحتفالات الفصح من العام 66م. وكان الكهنة منشغلين جدًّا بسبب هذا العدد الكبير من الحملان في الوقت نفسه الذي كان فيه حمل الله يرفع خطايا العالم على الصليب. شُوِيت كلّ تلك الحملان وأُكِل لحمها تمامًا كما يقبل كل واحد منَّا حمل الله في حياته (رؤيا 12:1). فعلينا أن نتناول، بالمعنى الروحي، حمل الله (يوحنا 53:6).

وكان داود الملك نبيًّا أيضًا وقد تنبَّأ عن هذه الأمور مئات من السنين قبل حدوثها عندما كتب المزمور 22. ويعتقد البعض أنَّ المسيح ردَّد المزمور بأكمله عندما كان معلَّقًا على الصليب. لكنَّنا نعلم أنَّه ردَّد جزءًا منه:

إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟ أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ. كُلُّ الَّذِينَ يَرَوْنَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ، وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ: «اتَّكَلَ عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ، لِيُنْقِذْهُ لأَنَّهُ سُرَّ بِهِ». أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ. أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ اكْتَنَفَتْنِي.

فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ مُزَمْجِرٍ.

كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي.

يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي، وَإِلَى تُرَابِ الْمَوْتِ تَضَعُنِي.

لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ.

أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ.

يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ.(مزمور1:22، 6-8، 12-18).

كيف يشير هذا المزمور النبوي الذي كتبه داود إلى موت المسيح؟ ما المشابهات التي تجدها فيه؟


كانت العادة أن يُصلَب المجرمون عراة بالكامل، لكن من الأرجح أن يكون الحسّ اليهودي قد سمح بمئزر يغطِّي الأعضاء الخاصَّة. لكنَّنا لا نعلم بالتحديد ماذا حصل، بل نعلم أنَّ الجنود  ألقوا قرعة على لباسه الذي كان محبوكًا كقطعة واحدة. ولم يكن أمر إقتسامه عمليًّا إذ كان سيتمزَّق، لذلك ألقوا قرعة عليه. وكان يُسمح للجنود الأربعة الذين كانوا يسوقون المجرم للصلب أن يحتفظوا بثيابه وحذائه. وقد حصل تمامًا ما تنبَّأ عنه داود قبل مئات السنين (مزمور 18:22).

 

الأقوال السبعة التي تفوَّه بها يسوع على الصليب

سنتأمَّل الآن في الأقوال السبعة التي تفوَّه بها يسوع على الصليب. وكان قد صُلِب بين لصَّين، الأوَّل عن يمينه والثاني عن يساره. وكان في الوسط، كأنَّه كان الأسوأ بينهما. وكان المكان الأوسط يُخصَّص عادة لقائد العصابة. ونرى هنا النبوَّات التي قيلت قبل مئات السنين تتحقَّق:

لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. (إشعياء 12:53).

لقد كان المسيح يتألَّم على الصليب لكن نقرأ في هذه الأعداد أنَّه كان يصلِّي من أجل الموجودين حول الصليب.

القول الأوَّل: فَقَالَ يَسُوعُ: «يَاأَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا." (لوقا34:23)

يا لعمق النعمة والرحمة المقدَّمتين إلينا في هذه الكلمات! إن كنت تشكّ يومًا بمحبَّة الله ورحمته فعليك أن تحفظ هذه الكلمات عن ظهر القلب. فحمل الله البريء حمل في جسده خطاياك وخطاياي وأزالها. "وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ (كولوسي 13:2-14)

كان عليه أن يُصارع لإستنشاق كلّ نفس. وكان عليه أن يدفش بقدميه على قطعة الخشب ليملأ رئتيه هواءً. فكان جراحه تحفّ على خشبة الصليب وتكشط بسبب الإحتكاك. ويمكننا أن نكوِّن صورة من عدَّة زوايا عن الحالة التي أصبح عليها يسوع من كتابات الأناجيل الأربعة. كان كتلة من الدماء، فكان رأسه ينزف دمًا بسبب إكليل الشوك الموضوع عليه، وكان ظهره ورجلاه ويداه ينزفون، ومن ثم بدأ جنبه ينزف بعد أن طعنه أحد الجنود بالحربة (يوحنا 34:19).

وإجتمع المتهكِّمون أمامه وبدأوا بلعنه وتحقيره:

"وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ

قَائِلِينَ:«يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!».

وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا:

«خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». (متى 39:27-43)

ويمكننا أن نجد مجدَّدًا أنَّ الله كان قد أخبر عن ذلك في السابق من خلال نبيِّه داود الملك. وقد أراه أن أحدًا من نسله والذي سيصبح يومًا ما ملكًا ووارثًا لكلِّ شيء سوف يُحتقر ويُستهزء به. ويظهر ذلك مصداقيَّة الكتاب المقدَّس إذ إنَّ هذه الأمور ذُكِرت قبل مئات السنين من حدوثها. لقد تحقَّقت تلك النبوَّات وعلينا أن نضع ثقتنا بالكتاب المقدَّس وبالله وبمسيحه الربّ يسوع. وإليكم نبوَّة داود حيث تكلَّم عن الذين سيحتقرون المسيح بينما كان يتألَّم:

"كُلُّ الَّذِينَ يَرَوْنَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ، وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ:

«اتَّكَلَ عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ، لِيُنْقِذْهُ لأَنَّهُ سُرَّ بِهِ»،أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ. أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ اكْتَنَفَتْنِي. فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ مُزَمْجِرٍ، لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ." (مزمور 7:22-8، 12-13، 16).

القول الثاني: إنضمَّ أحد المجرمَين المصلوبين معه بالإستهزاء به مع الجمع، بينما أظهر المجرم الثاني توبة:

"وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً:«إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!»

فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلاً:«أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟

أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ».

ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ:«اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ».

فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ». (لوقا 39:23-43).

تُسبِّب حياة يسوع الإنقسام في البشريَّة: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ." (متى 30:12). ويشبه كل واحد منَّا أحد المجرمَين. وعلينا جميعًا أن نختار كيف نكون عند ساعة موتنا. البعض لا يجدون قيمة في موت المسيح فيموتون في خطيَّتهم، بينما يقبل البعض الآخر عمل المسيح الفدائي إذ تألَّم من أجلهم. ولا يمكننا أن نهرب من الصليب. وعلينا أن نقوم بالإختيار بين الإستمرار في حياة الخطيَّة أو الإيمان ووضع ثقتنا في عمل المسيح الفدائي من أجلنا. وقال يسوع للمجرم التائب إنَّه سيكون معه في الفردوس في ذلك اليوم. ولا يمكن للبعض أن يفهموا تلك النعمة التي أُعطيت له. فلم يقم بأيَّة أعمال صالحة، ولم يعتمد، لكنَّ المسيح قال له إنَّ إيمانه كان كافيًا. أوَّد أن أذكِّركم أنَّ الخلاص يُقدَّم للمؤمن مجَّانًا، وليس بأعمال البِّر (تيطس5:3، أفسس 8:2-9). وإن كنت لم تقبل بعد إلى إله كل عطيَّة ونعمة، إصرخ إليه اليوم طالبًا أن يهبك تلك العطيَّة.

لقد قال يسوع إنَّه بعد موته سوف يحلّ روحه في قلوب المؤمنين به (متى 39:12-40)، لكنَّه يقول في هذا النصّ إنَّه سيكون مع اللص في الفردوس، فكيف يمكن أن يكون الأمران صحيحين؟

لا نقرأ الكثير عن ما حصل في الأيَّام الثلاثة التي كان يسوع في العالم السفلي أو الهاوية التي تُسمَّى Sheolفي اللغة العبريَّة، وتُسمَّى Hades في اللغة اليونانيَّة، لكنَّنا نعلم أنَّه توجد "هوَّة" بين الأرض والهاوية.

"فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ،

فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ،

فَنَادَى وَقَالَ: يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْنِي، وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي، لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هذَا اللَّهِيبِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ. وَفَوْقَ هذَا كُلِّهِ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ ههُنَا إِلَيْكُمْ لاَ يَقْدِرُونَ، وَلاَ الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا." (لوقا 22:16-26)

لا يمكننا أن نصرف الوقت المــُطوَّل في دراسة هذا الموضوع لأنَّه يُشكِّل دراسة منفردة بحدِّ ذاتها، لكن يعتقد الكثير من معلِّمي الكتاب المقدَّس وأنا من بينهم أنَّ يسوع نزل بعد موته إلى العالم السفلي أي الهاوية وإنتزع مفاتيح الموت والهاوية منتصرًا. "وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ." (رؤيا يوحنا 18:1). ونقرأ أيضًا في رؤيا يوحنا 18:1 التالي:"وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ." ونقرأ أيضًا أنَّه بعد قيامته: "وَأَمَّا أَنَّهُ «صَعِدَ»، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ." (أفسس 9:4-10). وإنِّي أعتقد أنَّ هذا يعني أنَّ الفردوس الذي يشكِّل جزءًا من العالم السفلي أصبح فارغًا الآن لأنَّ المؤمن يذهب بعد الموت مباشرة إلى الربّ في السماء (2كورنثوس 8:5، يوحنا 24:17).

القول الثالث: لاحظ أنَّ يسوع كان ما يزال مهتمَّا بالمقرّبين والعزيزين على قلبه بالرغم من أنفاسه المتقطِّعة.

"فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ:«يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ».

ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ:«هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ." (يوحنا 26:19-27).

لا نقرأ أنَّ يوسف زوج مريم كان موجودًا خلال خدمة يسوع، فلا بدَّ أنَّه كان قد توفي. وكانت مسؤولية يسوع الإعتناء بأمِّه كونه البكر. لاحظ أنَّه لم يوكل تلك المهمَّة لإخوته، ربَّما بسبب عدم إيمانهم به، إذ آمنوا بعد قيامته من الموت. وربَّما كانت مريم قد أخفت عنهم ولادة يسوع العجائبيَّة. فطلب من يوحنا التلميذ الذي كان يحبّه أن يعتني بمريم أمّه. إستودعها بين يدي من يستطيع أن يثق به بالكامل. وكان مهتمًّا بأمور الذين سيحزنون على فراقه ولم ينسَ أيَّة تفاصيل، بالرغم من الألم والحرب الروحيَّة اللتين كان يمرّ بهما. جمعهما مع بعضهما بعضًا لكي يعزيَّا أحدهما الآخر.

لا يذكر يوحنا الظلمة التي حلَّت على الأرض لثلاث ساعات، أمَّا متى فيذكرها: "وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ."(متى 45:27). لم تكن هذه الظلمة بسبب كسوف إذ إنَّه لا يُمكن للكسوف أن يبقى أكثر من سبع دقائق ونصف الدقيقة، بينما بقيت تلك الظلمة لثلاث ساعات. وكان عاموس النبي قد تنبَّأ عنها قائلاً: "وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أَنِّي أُغَيِّبُ الشَّمْسَ فِي الظُّهْرِ، وَأُقْتِمُ الأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ" (عاموس9:8).

القول الرابع: ثمَّ صرخ يسوع عبارته الرابعة على الصليب: "وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً:«إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مرقس 34:15)

لماذا شعر المسيح أنَّ الله تركه؟

كتب بولس الرسول إلى كنيسة كورنثوس قائلاً: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (2كورنثوس 21:5). هناك على الصليب، حمل يسوع خطايا العالم. لقد تحمَّل خطايا البشريَّة كلِّها. ويخبرنا الكتاب المقدَّس أنَّه لا يُمكن لله القدوس أن يرى الخطيَّة (حبقوق 13:1). وكانت المرَّة الأولى التي يحجب فيها الآب وجهه عن الإبن لأنَّه كان يحمل خطاياك وخطاياي. وحدث كلّ ذلك في أصعب وقت من الصلب وأشدّه ألمــًا.

كتب الطبيب توماس دايفيس التالي بعدما درس تأثير الصلب على الجسد:

"تتعب اليدان فتجتاح موجة من التشنّجات العضلات مشكَّلة عقدة تسبِّب آلامًا مبرحة. وبسبب تلك التشنّجات لا يعود بإستطاعته دفع جسده إلى أعلى. ويبقى معلَّقًا بذراعيه فتنشلّ عضلات صدره ولا تعود عضلات القفص الصدري قادرة على التحرّك. وجاهد يسوع ليرفع نفسه لإستنشاق نفس قصير. وأخيرًا، يجتمع ثاني أوكسيد الكربون في الرئتين وفي مجرى الدم، فتتوقف التشنجّات جزيئًا. ويمكنه أن يرفع جسده بشكل متقطِّع ليتنفَّس بعض الأوكسجين...يستمر هذا العذاب اللامتناهي لعدَّة ساعات مؤلَّفة من حلقات من التلوِّي والتشنجّات المدمية للمفاصل والإختناق المتقطِّع والألم المبرح بينما تتمزّق أنسجة ظهره الممزّق بينما يتحرّك صعودًا ونزولاً على الخشبة. ثم يبدأ نوع آخر من الألم الشديد في الصدر إذ يبدأ التأمور أي غشاء القلب بالإمتلاء بالدم الممصول فيشكِّل ضغطًا على القلب. تكون النهاية قد إقتربت عند هذه المرحلة، فالأنسجة فقدت كميَّة مروِّعة من السوائل، والقلب يصارع كي يضخّ إلى الأنسجة الدم السميك المتختِّر، وتقوم الرئتان المدمَّرتان بمجهود مضاعف لإستنشاق جرعات قصيرة من الهواء. وترسل الأنسجة الجافَّة مؤشِّرات الخطر إلى الدماغ.".

القول الخامس: ثمَّ تفوَّه يسوع بقوله الخامس قائلاً: "بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ:«أَنَا عَطْشَانُ». (يوحنا 28:19). وقد تنبَّأ داود الملك عن هذا الأمر قائلاً: "يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي، وَإِلَى تُرَابِ الْمَوْتِ تَضَعُنِي." (مزمور 15:22). ويذكر يوحنا أنَّ أحد الجنود قدَّم له إسفنجة مملوءة خلاًّ ووضعوها على زوفا. "وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَّلاً، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَاوَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ." (يوحنا 29:19)

لماذا يذكر يوحنا الزوفا؟ إنَّ أدقّ التفاصيل في كتابات يوحنا تحمل معنى معيَّنًا. فعندما كان الإسرائيليون مستعبدين لفرعون في مصر، كانت وسيلة الإعتاق دم حمل بلا عيب وطاهر موضوعًا في حوض عند الباب. وكان على الشعب غمس ضمة من الزوفا في ذلك الدم ودهن عتبة الباب العليا والقائمتين على شكل صليب.

"فَدَعَا مُوسَى جَمِيعَ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ وَقَالَ لَهُمُ: «اسْحَبُوا وَخُذُوا لَكُمْ غَنَمًا بِحَسَبِ عَشَائِرِكُمْ وَاذْبَحُوا الْفِصْحَ. وَخُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَاغْمِسُوهَا فِي الدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ وَمُسُّوا الْعَتَبَةَ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ بِالدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ. وَأَنْتُمْ لاَ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ حَتَّى الصَّبَاحِ،

فَإِنَّ الرَّبَّ يَجْتَازُ لِيَضْرِبَ الْمِصْرِيِّينَ. فَحِينَ يَرَى الدَّمَ عَلَى الْعَتَبَةِ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ يَعْبُرُ الرَّبُّ عَنِ الْبَابِ وَلاَ يَدَعُ الْمُهْلِكَ يَدْخُلُ بُيُوتَكُمْ لِيَضْرِبَ."  (خروج 21:12-23)

وحينكانيرى الله الدم يحمي ذلك البيت ولا يسمح للملاك المــُهلك أن يدخله (إشعياء 5:31). كذلك فإنَّ دم العهد الجديد (إرمياء 31:31) يغطِّي حياتنا الروحيَّة معلنًا أنَّنا خاصَّة الربّ وأنَّنا تحرَّرنا بالكامل من إبليس (فرعون) ومن العالم (مصر).

القول السادس: "فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ:«قَدْ أُكْمِلَ»." (يوحنا 30:19)

شعر يسوع أنَّ الوقت قد حان، وتخبرنا الأناجيل الإيزائيَّة الثلاث (متى ومرقس ولوقا) أنَّ يسوع صرخ بصوت عظيم، لكنَّهم لا يذكرون ما قاله. لكنَّ يوحنا هو الوحيد الذي يذكر الكلمة اليونانية tetelestaiالتي تفوَّه بها يسوع، وقد تُرجِمت إلى عبارة "قد أُكمل". ولم تكن صرخة إعياء، بل صرخة إنتصار. رفع جسده للمرَّة الأخيرة وملأ رئتيه بالهواء وصرخ بصوت عظيم كي تسمعه كلّ المسكونة:"قد أُكمل". وكانت كلمة tetelestai تُستخدم في ذلك الوقت في نظام المــُحاسبة في اللغة اليونانية العاميَّة. فعندما كان أحدهم يدفع دينه بالكامل يكون بذلك tetelestai، ما يعني أنَّ الأمر إنتهى أو إكتمل أو تحقَّق؛ وهو ليس نهاية عاديَّة، بل نهاية أدَّت الهدف بالكمال. وهو يعني أن يُدفع مبلغ معيَّن بالكامل كدفع قيمة ضريبة أو جزية معيَّنة. كانت تلك صرخة إنتصار! لقد تحقَّق الهدف، ودُفِع الدين بالكامل. لا دين على شعب الله بعد، بل هم أحرار! ولا عجب أنَّه صرخ بأعلى صوته فقد أراد أن يعلم العالم أنَّ دين الخطيَّة قد دُفِع. لقد تمَّت عدالة الله ودينونته.

القول السابع: كانت ما تزال أصداء صرخة يسوع تتعالى في الجلجثة حين نطق بكلماته الأخيرة على الصليب: "وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي»." (لوقا 46:23). وأسلم يسوع الروح بعد قوله السابع.

أوَّد أن أسألك اليوم، ما هو وضع دَيْنِك؟ هل هو ثقيل عليك؟ لقد سدَّد المسيح دينك، لكنَّك ستبقى في خطاياك ما لم تحصل على الغفران.

حدث في العام 1829، أنَّ رجلاً يُدعى جورج ويلسون من ولاية فيلادلفيا إقتحم مكتب البريد ليسرقه وقتل رجلاً بينما كان يقوم بالمهمَّة. قُبِض عليه، ووُجِد مــُذنبًا، وحُكِم بالموت شنقًا. فتدخَّل بعض أصدقائه طالبين العفو من رئيس الجمهوريَّة أندرو جاكسون، وحصلوا عليه. لكن عندما أُخبِر ويلسون بأمر العفو، رفض قبوله! ولم يكن بإمكان ضابط الأمن تنفيذ الحكم على رجل تمَّ العفو عنه. فأرسل رسالة إلى الرئيس جاكسون الذي حيَّره الأمر فلجأ إلى المحكمة العليا للبتِّ في أمره. وأبرم رئيس المحكمة حكمًا قائلاً إنَّ العفو هو مجرَّد ورقة لا قيمة له ما لم يقبله الشخص المعني في الأمر. من الصعب قبول فكرة إنسان محكوم بالإعدام يرفض العفو، لكن إذا رفضه لا يعود يملك أيَّة قيمة. فكان يجب تنفيذ حكم الموت بجورج ويلسون، فمات بالرغم من أنَّ ورقة العفو كانت مطروحة على مكتب ضابط الأمن. ماذا ستفعل أنت بشأن العفو الكامل الذي قدَّمه لك رئيس القضاة إله هذا الكون؟ 

 

أريد أن أختم هذه القصَّة بفكرة حول ما حدث حين ألقى الجنود قرعة على ثياب يسوع. فكِّر في الأمر. كان يسوع يتألَّم ليموت عن هؤلاء الرجال، لكنَّهم لم يكترثوا للأمر، بل كانوا يلعبون غير آبهين بألمه. وكان ذلك اليوم بالنسبة لهم يومًا عاديًّا كباقي الأيَّام، ولم يلاحظوا أنَّ مصيرهم الأبدي كان على المحكّ وأنَّه كان متعلِّقًا بتصرّفهم الأناني. لقد شعروا بالبرد، وهذه صورة عن شعور اللامبالاة الذي يكنّه العالم للمسيح. كانوا يلعبون وكأنَّ ما يحصل لم يكن مهمًّا. عليك أن تعرف أنَّه يجب عليك أن تتخذ موقفًا وتتجاوب مع الذبيحة التي قدَّمها المسيح عنك. ما هي ردَّة فعلك تجاه العفو المقدَّم لك؟ هل ستتركه ملقى على الطاولة كما فعل جورج ويلسون؟

صلاة: أيها الآب، أشكرك من أجل محبَّتك العظيمة ورحمتك الفائقة اللتين ظهرتا في شخص إبنك الذي مات بدلاً عنَّا. أرجوك أن تسامحني! طهِّرني من كلِّ خطيَّة وإجعلني إنسانًا جديدًا. أقدِّم حياتي لك وأريد أن أتحرَّر من الوُثَق الروحيَّة التي كبَّلتني. آمين!

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com