38. Jesus Sentenced to Death

الحــُكم على يسوع بالصلب

سؤال للمشاركة: ما أهو أسوأ نوع من الألم الجسدي تعرَّضت له؟

فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ.

وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوَانٍ،

وَكَانُوا يَقُولُونَ:«السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!». وَكَانُوا يَلْطِمُونَهُ.

فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا خَارِجًا وَقَالَ لَهُمْ:«هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً».

فَخَرَجَ يَسُوعُ خَارِجًا وَهُوَ حَامِلٌ إِكْلِيلَ الشَّوْكِ وَثَوْبَ الأُرْجُوانِ. فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ:«هُوَذَا الإِنْسَانُ!».

فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا قَائِلِينَ:«اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!». قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ:«خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ، لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً».

أَجَابَهُ الْيَهُودُ:«لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ».

فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفًا.

فَدَخَلَ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ:«مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟». وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا.

فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟»

أَجَابَ يَسُوعُ: « لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ».

مِنْ هذَا الْوَقْتِ كَانَ بِيلاَطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ، وَلكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ:«إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ!».

فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ أَخْرَجَ يَسُوعَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «الْبَلاَطُ» وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ «جَبَّاثَا».

وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ:«هُوَذَا مَلِكُكُمْ!».

فَصَرَخُوا: «خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ:«لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!».

فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ.(يوحنا1:19-16)

جَلْد وتعذيب يسوع (يوحنا 1:19-3)

رأينا في الدرس السابق أنَّ بيلاطس أعلن براءة يسوع (يوحنا 38:18)، لكنَّ اليهود لم يقبلوا بهذا القرار، بل أصرّوا على صلبه. فقدَّم لهم بيلاطس الخيار بين أن يُطلق لهم يسوع أو باراباس المجرم. فإختاروا أن يُطلق باراباس ويُصلب يسوع. ويذكر متى ويوحنا أنَّه بعد إطلاق باراباس أمر بيلاطس بجَلْد يسوع."حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ".(متى 26:27). ويخبرنا لوقا أنَّ هدف بيلاطس بجَلْد يسوع كان أن يُرضي اليهود."فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ. (لوقا 16:23)." وكان قد أمِلَ أن يُحرِّك الجَلْدبعض مشاعر الرحمة والشفقة تجاه ذلك الرجل البريء. وقد ظنَّ أنَّ الحكم على يسوع "بنصف موتٍ" سيشفي غليل الجمع الثائر. وكان الرومان يُطلقون على الجَلْد عبارة "نصف موت"، لأنَّه كان يتوقَّف مباشرة قبل أن يُفارق المــُذنب الحياة. ولم يكن الجَلْد يُستخدم بالإضافة إلى أنواع عذابات أو قصاصات أخرى. فمثلاً، لم يُجلَد اللصَّان اللذان صُلِبا مع يسوع في ذلك اليوم. أضف إلى أنَّ الناموس اليهودي وهو ما يُسمَّى بالـــ Mithah Arikhtaمنع إستخدام وسيلة موت مطوَّلة للمــُذنبين المحكوم عليهم، وعفا كلّ محكوم بالصلب من الجَلْد. وبالنظر إلى تجاهل كلٍّ من القانونين الروماني واليهودي في مسألة إنزال العقوبات فإنَّ يسوع تعامل أسوأ من أي مجرم.

وكان الجَلْد من أسوأ وسائل التعذيب التي يُمكن أن تُستخدم لإنسان. ولا بدَّ أنَّ ظَهْرَ يسوع رُبط إلى عامود مخصَّص للجَلْد كي لا يقوى على الحراك، بينما كان رجلان يجهِّزان نفسيهما للبدء بجَلده. وبالنسبة للرومان كان الجَلْد ينقسم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأوّل هو الــ fustes وقد تضمَّن الضرب الخفيف بواسطة سوط مصنوع من جِلد كنوع من التحذير. والنوع الثاني هو الـ ـ flagellaوقد تضمَّن الضرب القاسي. أمَّا النوع الثالث فهو الــ verbera الذي كان أقسى أنواع الجَلد وقد تضمَّن الضرب بواسطة سوط يحتوي على أصابع جلديَّة تحمل كلّ منها قطعة حديد أو عظام. وكتب القس والكاتب إتشاك سويندل أنَّه كان يُتوقَّع مع كلّ ضربة أنَّ يعترف المــُجرم بفعلته. وإن كان المــُجرم يعترف بصوت عالٍ بخطاياه كان الجلاَّد يُخفِّف من قسوة الجَلْد فيستخدم عندئذ السوط الجلدي. لكن، لم يحصل هذا الأمر مع يسوع إذ لم يكن لديه ما يعترف به. لذلك كان مثل شاة تُساق للذبح فلم يفتح فاه.

لقد أدَّى سكوت يسوع وعدم إعترافه بأيَّة خطيَّة إلى أن يستخدم الجلاَّد أسوأ أنواع الجَلد أي الــ verbera. وكان هذا النوع من الجَلْد يُمزِّق الجِلد عن ظهر الضحيَّة ويكشف عظامه وأمعاءه. وقد تنبَّأ داود الملك عن هذا الأمر إذ كتب في سفر المزامير:"أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ."(مزمور 17:22). لا نعلم كم جَلْدة أُنزِلت بيسوع، فالأناجيل لا تذكر ذلك. أمَّا بولس الرسول فقد جُلِد خمس مرَّات، وكان في كلِّ مرَّة يُجلد تسعة وثلاثين جلدة (2كورنثوس 24:11)، ولهذا فإنَّ التقليد يُخبر أنَّ يسوع جُلِد تسعة وثلاثين جلدة أيضًا. وبما أنَّه لم يعترف بأيَّة جريمة، فإنَّ الجَلْد إزداد عنفًا حتَّى وصل إلى المرَّة التاسعة والثلاثين. وقد حدَّد ناموس موسى عدد الجلدات التي يُمكن أن تنزل بالمحكوم عليه بالأربعين جَلْدة، ولذا فإنَّ الرومان لم يتجاوزوا هذا الرقم. أمَّا القانون الروماني فلم يُحدِّد عدد الجَلَدات التي يُمكن أن تنزل بالمحكوم عليه، بل كان يستمر إنزال الجَلْد به إلى أن يصل إلى حالة الإغماء ويشارف على الموت. ويقول أحد الأطبَّاء الشرعيين أنَّ عمليَّة الجَلْد كان تُسبِّب كسورًا في الضلوع وكدمات قويَّة في الرئتين ما يؤدِّي إلى نزيف في القفص الصدري وإسترواح صدري (توقف عمل الرئتين) جزئي أو كامل.

لماذا سمح الله بأن يختبر إبنه الجَلد إضافة إلى الصلب؟

كتب إشعياء النبي قبل ستمائة سنة من صلب المسيح التالي عن الألم الذي كان سيتعرَّض له:

لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً.

وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.

كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا.

ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.(إشعياء 4:53-7، التشديد مضاف).

إنَّ الكلمة العبريَّة chabbuwrahالمــُترجمة إلى "حُبُرِهِ" تعني حرفيًّا شريطًا من الكدمات على الجِلْد. ونقرأ في إشعياء التالي: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ (أي الشريط من الكدمات على جلده) شُفِينَا." (إشعياء5:53). ويعتقد الكثيرون وأنا من بينهم أنَّ يسوع إحتمل الجَلْد على أيدي الجنود الرومان وقد حقَّق بذلك الشفاء لأجسادنا. أمَّا البعض الآخر فيقول إنَّ عبارة "بحبره شُفينا" تشير إلى موته البديل عنَّا على الصليب. لا يهم أيّ من الموقفين تتخذ، بل المهم هو أنَّ نبع شفاء تفجَّر بسبب ما إختبره يسوع في ذلك اليوم.

لم ينتهِ عمل الجنود الرومان بإنتهاء الجَلْد، بل تفجَّر كره الرومان لليهود إذ أخذ كلّ من أعضاء كتيبة الجند الموجودين في دار الولاية دورًا في ضربه والإستهزاء به. ويذكر مرقس أنَّ كل أفراد الكتيبة (أي الــ  speira في اللغة اليونانيَّة) تناوبوا على ضربه والبصق عليه (مرقس 16:15). ووضعوا عصا في يديه اليمنى وثوبًا أرجوانيًّا على ظهره النازف وألبسوه تاجًا من الشوك. ثمَّ بدأوا بالإنحناء أمامه مقدِّمين له الولاء بسخرية (متى 27:27-31). ويُذكِّرنا تاج الشوك باللعنة التي وضعها الله على جنَّة عدن. لقد حمل المسيح تلك اللعنة إلى الصليب. "وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌالأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًاوَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ." (تكوين 17:3-18)

وكان إشعياء قد كتب في العهد القديم منذ أكثر من خمسمائة سنة عن العبد المــُتألِّم الذي سوف يرسله الله إلى إسرائيل قائلاً: "بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ." (إشعياء 6:50)

للمرَّة الثانية بيلاطس يجد يسوع غير مذنب (يوحنا 4:19-8)

عندما إنتهى الجنود من تعذيب يسوع أرجعوه إلى بيلاطس. ويمكنني تخيَّل صدمة بيلاطس عندما رأى ما جرى له. ويُظهر الفيلم "آلام المسيح" للمخرج ميل غيبسون مشهد جراح يسوع بكلِّ وضوح، بالرغم من أنَّ ذلك لا يستند على شواهد كتابيَّة. وشعر بيلاطس أنَّه لا بدَّ للمشهد أن يحرِّك العطف في قلوب اليهود المجتمعين في دار الولاية فيشفقون على يسوع ويقبلون بإطلاق سراحه."كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ."(إشعياء 14:52). كان منظر المسيح مزريًا. وكان قد ضُرِب بوحشيَّة قاسية لدرجة أنَّ منظر جسده تشوَّه، ولم يعد يبدو كشكل إنسان. فقدَّم بيلاطس يسوع لهم قائلاً:«هُوَذَا الإِنْسَانُ!».(يوحنا5:19). فكان واقفًا أمامهم ألطف وأكثر إنسان عطفًا ورحمة وكمالاً شهدته المسكونة.كان هذا الله المتجسِّد، وقد أرادنا أن نفهم كيف هو الله، إلاَّ أنَّ الناس رفضوه. ويصف لنا الكتاب المقدَّس يسوع برجل الألم وقد إمتلأ بالحزن (إشعياء 3:53).

لاحظ أنَّ رؤساء الكهنة وقادة الشعب لم يعطوا مجالاً للشعب للشعور بالشفقة على يسوع عندما قدَّمه بيلاطس لهم بعد جلده، بل بدأوا بالصراخ عاليًا: "إصلبه! إصلبه!". تخيَّل شعور والدته وإخوته وتلاميذه إن كنَّا نفترض أنَّهم كانوا بين الجمع (لا يذكر الإنجيل ذلك)، خاصَّة عندما رأوا الأذى الذي ألحقه الجنود الرومان بمسيحهم المحبوب. لا بدَّ أنَّهم صُدموا وصُعِقوا عند سماعهم الجمع يصرخ: «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!».(يوحنا 6:19).

لا يجب أن نفتكر أنَّ الأمر كان سيكون مختلفًا لو كنَّا نحن موجودين هناك. فالطبيعة البشريَّة ومشكلة الخطيَّة هما نفسهما الموجودتان في قلوبنا أيضًا. فيمكن أن يكون أي واحد منَّا موجودًا في تلك الباحة الخارجيَّة. وكان لا بدَّ من وجود مخرج وحيد لطبيعتنا البشريَّة، فكانت ضرورة إيجاد بديل يحمل خطيَّتنا بنفسه ويعالج الأمر. أشكرْ الله من أجل يسوع حمل الله الكامل. ومن جديد يقول بيلاطس للجمع إنَّه لم يجد أنَّ يسوع مذنب: "قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ:«خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ، لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً».(يوحنا 6:19).

لماذا لم ينهِ بيلاطس الأمر عند هذا الحدّ؟ إن كان يسوع غير مذنب، فلماذا بقي ليستمع إلى هؤلاء الرجال المتلاعبين؟ أَجَابَهُ الْيَهُودُ:«لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ». فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفًا.(يوحنا 7:19-8)

لم يوجد حدود للكراهية والشرّ الموجودين في قلوب هؤلاء الرجال. فبالنسبة لعقولهم المشوَّهة، يجب أن يكون إبن الله قويًّا أكثر وبإستطاعته تحريرهم من الإحتلال الروماني. فالمسيح بنظرهم كان يجب أن يشبه القادة الدينيين. ولم يقبلوا أن يكون إبن الله كذاك الرجل الواقف أمامهم.

أحيانًا أقابل أشخاصًا يقولون لي إنَّ يسوع لم يقل مرَّة واحدة إنَّه إبن الله. لكنِّي لا أعرف أيَّة نسخة من الكتاب المقدَّس يقرأون، ففي هذا النص حتى أعداءه كانوا يقولون إنَّه قال إنَّه إبن الله. لم يصدقّوا كلامه، لكن هل تصدِّق كلامه أنت؟ ثمَّ أخذ القادة اليهود بالإستشهاد من ناموس موسى قائلين: "وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْمًا. الْغَرِيبُ كَالْوَطَنِيِّ عِنْدَمَا يُجَدِّفُ عَلَى الاسْمِ يُقْتَلُ. (لاويين 16:24). وبالطبع، لم يريدوا إستخدام الرجم كوسيلة لقتله، بل أرادوا أن يؤثِّروا على بيلاطس بإنزال لعنة عليه بتعليقه على الصليب.

القوَّة والمــُحاسبة (يوحنا 9:19-11)

لاحظ أنَّ هذه هي المرَّة الأولى التي يشعر فيها بيلاطس بالخوف خلال تلك المقابلة. ففي تلك اللحظة لا بدَّ أنَّه فكَّر بإحتماليَّة أن يكون ذلك الرجل إبن الله. وتذكَّر كلام زوجته بأن لا يؤذي ذلك الرجل البريء (متى 19:27). فأخذ يسوع من جديد إلى الداخل ليتكلَّم معه على إنفراد: "فَدَخَلَ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ:«مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟». وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا. (يوحنا9:19). لقد لاحظ في نفسه أمرًا مميَّزًا في يسوع، وقد بدأ يتَّضح له ذلك. سأل يسوع من أين هو، لكن لم تأته إلاَّ الإجابة الصامتة. وبالرغم من أنَّ يسوع كان ينزف على أرض بيلاطس، إلاَّ أنَّه بقي مسيطرًا على الوضع وبقي صامتًا. بدا الأمر وكأنَّ بيلاطس يخضع للمــُحاكمة. ولم يكن بودِّ يسوع أن يهرب من ذلك الوضع، لكنَّه كان واضعًا نصب عينيه الخطَّة التي رسمها الآب. عندها، هدَّده بيلاطس قائلاً: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: « لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ».(يوحنا 10:19-11).

ما الذي كان يعنيه يسوع بقوله في العدد 11؟ من هو صاحب السلطان؟

قال يسوع إنَّ قيافا له خطيَّة أعظم. هل هناك درجات مختلفة من الخطيَّة، وماذا برأيك يجعل إنسانًا مذنبًا أكثر من غيره؟

كان بيلاطس يعتبر أنَّه الوحيد الذي كان بإستطاعته مساعدة يسوع في تلك اللحظة. وقد ظنَّ أنَّ يسوع لا يملك صديقًا واحدًا في هذا العالم. لا تصدِّق هذه الكذبة إن كنت مؤمنًا، فعين ملك الملوك عليك وهو يحفظك، ولا يغرب عن ناظريه ما يحصل على هذه الأرض. وسيسمح الربّ أن يختبر شعبه الصعوبات، لكن سوف يُدان كلّ عمل، ونحن مسؤولون عن كلِّ كلمة تخرج من أفواهنا: "وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ." (متى36:12). ونقرأ في مكان آخر:"وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا." (عبرانيين 13:4).

لقد ظنَّ بيلاطس أنَّه يمتلك القوَّة، لكن في الحقيقة يسوع كان في موقع القوَّة. وسوف يقدِّم بيلاطس يومًا ما حسابًا أمام كرسي المسيح: "لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا."(2كورنثوس 10:5). في ذاك اليوم، ستكون هناك نسب متفاوتة من الذنوب والقصاصات لكل من هو خارج المسيح. وسيتحمَّل هؤلاء القادة محاسبة أكبر بسبب النفوذ الذي إمتلكوه. أمَّا الذين آمنوا بالمسيح فلن يُدانوا بسبب خطاياهم لأنَّ الثمن قد دُفِع على صليب المسيح (يوحنا 22:5-24). وسوف يُدان بيلاطس لأنَّه قَبِل بالحكم غير العادل الذي أُبرِم بحقِّ المسيح، لكن الجرم الأكبر سيكون من نصيب رؤساء الكهنة وقادة الشعب لأنَّهم رفضوا المسيح.

رفض يسوع المــلك (يوحنا 12:19-16)

نقرأ مجدَّدًا أنَّ بيلاطس حاول أن يُطلق يسوع (ع 12)، لكنَّ اليهود كانوا مصرِّين على عكس ذلك. وكانت بحوذتهم حجَّة أخيرة يقدِّمونها لبيلاطس بعد حديثه الإنفرادي مع يسوع حيث أعلن مرَّة أخرى براءة يسوع. فقدَّموا الحجَّة الأخيرة صارخين:«إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ!».

ما هي الحجَّة التي قدَّمها اليهود لبيلاطس في العدد 12؟

كان على بيلاطس أن يقرِّر أيَّة مملكة يخدم. فلو أعلن "براءة" يسوع، يُفسد مهنته السياسيَّة، ووربَّما يُنزل به أسياد روما العقاب بسبب عدم إدانته لشخص تحدَّى علنًا سلطة القيصر. وكان بيلاطس سعيدًا بالدور الذي كان يقوم به كحاكم، وقد فضَّل أن يدين رجلاً بريئًا بدل أن يتَّهمه القيصر بسوء الإدارة. وأخيرًا، أذعن لليهود بالرغم من أنَّه لم يكن راضيًا بذلك. وبدل أن يخضع لملكوت الله، فضَّل القوَّة بدل الحق، وإختار النجاح الأرضي والراحة المؤقّتة. فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً:«إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!». فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب وَقَالُوا:«دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». (متى 24:27-25).

هل تظنّ أنَّ بيلاطس أراد إعادة النظر في القرار الذي إتخذه أو أنَّه ندم عليه بعد أن صُلِب يسوع؟ أيمكن أن تكون مقابلته مع يسوع أثَّرت على تفكيره لاحقًا؟

أتمنى لو أنَّنا كنَّا نستطيع إزالة الشعور بالذنب وتحمّل المسؤوليَّة بمجرَّد أن نغسل أيدينا. يا ليت الأمر كان بهذه السهولة! لكن دم المسيح المسفوك على الصليب لدفع ديننا وحده يستطيع أن يزيل الخطايا. ومن المأساوي ما تفوَّه به الشعب في ذلك اليوم:"دمه علينا وعلى أولادنا!". لقد نُفي الشعب اليهودي من أرضهم من العام 70م إلى العام 1948م لفترة قاربت الألفي سنة. ومن المرجَّح أن يكون الله قد قام بتأديب تلك الأمَّة، لكنَّه إستخدم أيضًا المؤمنين اليهود الأوَّلين لينشروا بشارة الإنجيل إلى الأمم. ويخبرنا يوحنا أنَّ بيلاطس دعا يسوع بالملك كَلَفتة إحتقار للقيادة اليهوديَّة:"فَصَرَخُوا: «خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ:«لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ!». فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ." (يوحنا 15:19-16).

يخبرنا الكتاب المقدَّس أنَّه من فضلة القلب يتكلَّم اللسان (متى 18:15). ومن الغريب أن نقرأ أنَّ اليهود أطلقوا على القيصر لقب ملكهم، فشعب الله كانوا يعتبرون أنفسهم مقدَّسين ومفروزين ولا يُمكن أن يحكمهم ملك آخر. لكن، نقرأ أنَّهم فضَّلوا أن يحكمهم القيصر، بدل ذلك الرجل يسوع الذي إعتبروه هرطوقيًّا.

ماذا حصل لبيلاطس بعد كل ذلك؟ يُخبِر يوسيفوس المــُؤرِّخ الروماني الذي كان أيضًا دارسًا للكتاب المقدَّس مستندًا إلى الوقائع المذكورة في الأبوكريفا أنَّ بيلاطس فشل في حكمه على كاليجولا (37م-41م) ونُفي إلى بلاد الغال، وأخيرًا إنتحر في فيينا. أمَّا أغابيوس من هيرابوليس مؤرِّخ القرن العاشر ميلادي فكتب في تأريخه "التاريخ العالمي" أنَّ بيلاطس إنتحر خلال السنة الأولى من حكمه في كاليجولا أي ما بين عامي 37-38م.

لكن، قبل أن نباشر بإدانة ذاك الذي أدان ربَّنا علينا أوَّلاً أن نفحص قلوبنا. ولا يمكننا الظنّ أنَّه لو كنَّا موجودين هناك لكانت الأمور عكس ذلك. فالطبيعة البشريَّة نفسها ومشكلة الخطيَّة ذاتها تستحوذان على قلوبنا كما على قلوبهم تمامًا. ولا بدَّ أنَّه وُجِد البعض الذين آمنوا ببراءة يسوع، لكنَّهم شعروا أن لا حول ولا قوَّة لهم، فلم يريدوا أن يخاطروا بجذب غضب الجمع نحوهم. ربَّما كان البعض منهم من أتباع يسوع، لكن كان البعض الآخر من القادة الدينيين. وكان موقف هؤلاء القادة هو نفسه الذي تردَّد بإستمرار خلال القرون العشرين المنصرمة: لا نريد أن هذا يملك علينا! ويدل هذا الموقف على ما إذا كان الإنسان مؤمنًا حقيقيًّا بالمسيح أم لا.

عندما تكلَّم يسوع عن ملكوت الله، كان يفكِّر بملكه وحكمه. فيسوع هو الملك وهو يطلب أن يحصل على مكانته الصحيحة في قلب كل إنسان كملك وربٍّ. وإن لم يكن هو الملك، تصبح الذات هي الملك. فإمَّا أن نملِّكه على كلِّ شيء، أم نكون نحن الملوك على كلِّ شيء. قبل ألفي سنة، رفض الجمع أن يملك عليهم، والقصَّة نفسها تتكرَّر اليوم. فالعديد من الناس يرفضون يسوع لسبب بسيط وهو أنَّهم يفضِّلون أن يعبدوا أنفسهم، وهم يحبوُّن خطيَّتهم، ويرفضون أن ينحنوا لآخر غير ذاتهم. لا يريدون يسوع، لأنَّ قبوله يعني رفض الذات وتغييرًا في وجهة ولائهم. وحياتنا تحتوي على عدَّة قرارت علينا إتِّخاذها، لكن أهم قرار علينا أن نتخذه هو ما إذا كنَّا نريد أن نضع ثقتنا بالمسيح يسوع. وعلينا كلّ يوم أن نختار أيَّة مملكة نخدم. فهل تُذعن للحق أم تختار السلطة؟

من الممكن أن يكون كلّ واحدًا منَّا واقفًا في الباحة الخارجيَّة. لكن يوجد مخرج واحد يعتقنا من طبيعتنا الخاطئة. وكان لا بدَّ من وجود بديل يحمل ذلك الذنب ويدفع ثمنه. إشكرْ الربّ من أجل يسوع. إنَّه حمل الله الكامل، والوحيد الذي كان بمقدوره أن يدفع الثمن لأنَّه كامل وبلا خطيَّة تمامًا كحمل الفصح. إشكرْ الله لأنَّ ليس للموت سلطة علينا بعد الآن بسبب عمله الكفَّاري بدلاً عنَّا.

صلاة: أيّها الآب، أشكرك من أجل الفداء الكامل الذي قدَّمه لنا إبنك يسوع. أطلب من الروح القدس أن يُبعدني عن الشرير، ويفتح معاني كلمتك المقدَّس لكي أفهمهما، ويمدّني بالقوَّة لكي أختار الحق وإرادتك وملكوتك. لك المجد إلى الأبد. آمين!

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com