35. Gethsemane and Jesus Arrested

بستان جثسيماني والقبض على يسوع

سؤال للمناقشة: هل حدث أن دافع عنك أحدهم حين كنت متورطًا في مشكلة ما؟ وهل حدث أن دافعت عن أحدهم؟

بستان جثسيماني: مكان عصر الزيتون

دعونا نتخيَّل هذا المشهد بينما نبدأ بدراسة الأصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا. كان يسوع قد إنتهى من الصلاة وإنطلق مع الأحد عشر تلميذًا في الرحلة إلى بستان جثسيماني. وكان لا بدَّ لهم من المرور في وادي قدرون للوصول إلى هناك. ويخبرنا المؤرِّخ يوسيفوس أنَّ عدد الحملان التي تقدَّم خلال الفصح كان يقارب المائتي ألف حمل. وكان الدم المسفوك من تلك الحيوانات يصبّ في وادي قدرون الواقع في الجانب الشرقي من جبل الهيكل في أورشليم. وكانت أفكار الناس خلال هذه الفترة تدور حول الذبيحة والفداء. وكان كلّ ما حولهم يذكِّرهم بذلك، كالدم الذي كان يسيل في وادي قدرون. وكانوا يحتفلون بالفصح دائمًا عند إكتمال القمر.

دعونا نتخيَّل يسوع وتلاميذه بينما كانوا يسيرون في ذلك الوادي تحت نور القمر، ثمَّ يصعدون إلى جبل الزيتون الواقع في الجانب الشرقي من الوادي، وثمَّ يدخلون إلى البستان. ولا يذكر يوحنا إسم ذلك البستان، بينما يذكر إسمه كتَّاب الأناجيل الآخرين. وقد قام ر.كنت هيوغز ببعض المقارنات اللافتة بين جنَّة عدن وبستان جثسيماني:

· بدأ آدم الأوَّل حياته في الجنَّة (بستان). وإنتهت حياة المسيح، آدم الأخير في البستان.

· إرتكب آدم الخطيَّة في جنَّة عدن، أمَّا مخلّصنا فقد قهر الخطيَّة في بستان جثسيماني.

· سقط آدم في جنَّة عدن، أمَّا يسوع فقد غلب في بستان جثسيماني.

· إختبأ آدم في جنَّة عدن، أمَّا يسوع فقد أظهر ذاته بكلّ شجاعة في بستان جثسيماني.

· سُحِب السيف في جنَّة عدن، لكنَّه أعيد إلى غمده في بستان جثسيماني.

وكان يسوع يقضي الليل مع تلاميذه في ذلك البستان، وكان يعلِّم في الهيكل في الصباح الباكر. ويمكن للبعض أن يسألوا لماذا لم يمكث مع لعازر ومريم ومرثا الذين كان يقع بيتهم في بيت عنيا التي تقع في الجانب الآخر لجبل الزيتون؟ وكما نعلم كانوا أصدقاء مقرَّبين ليسوع. ربمَّا كان يسوع قد حاول أن يحفظهم من إدانة رجال الدين لهم. وكان يسوع قد لفت إنتباه الفريسيين ورفضوه. وكان كلّ من يرافقه يخاطر بدفع ثمن غالٍ لذلك لدرجة الإقصاء من الهيكل (يوحنا 22:9).

ويحمل جبل الزيتون هذا الإسم بسبب كثرة أشجار الزيتون التي تنمو في هذا الجانب من الهيكل. ولا بدَّ أنَّ بستان جثسيماني كان ملكيَّة خاصًّة مسوَّرة، وكان صاحبها يعمل في عصر الزيتون ليحصل على زيت الزيتون. ولا نعلم كم كان يرتفع هذا البستان في جبل الزيتون، لكن كان يمكن رؤية الدخان المتصاعد من المذابح حيث كانت تُقدَّم الذبائح على بعد أربعمائة أو خمسمائة قدم.

ولا يخبرنا يوحنا عن الصراع الذي مرَّ به يسوع خلال الصلاة، ولذلك علينا مراجعة إنجيل لوقا لتكوين صورة متكاملة عن التفاصيل التي جرت، ثم العودة إلى إنجيل يوحنا للقراءة عن حادثة القبض على يسوع:

وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، وَتَبِعَهُ أَيْضًا تَلاَمِيذُهُ.وَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَالَ لَهُمْ: «صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ».وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ».وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ. فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ». (لوقا 39:22-41).

يمكننا أن نلقي نظرة على حالة مخلِّصنا عندما كان في بستان جثسيماني في ساعاته الأخيرة على الأرض. فالضغط الروحي الذي كان يتعرَّض له كان شديدًا جدًّا لدرجة أنَّه كان بحاجة لملاك يقوّيه. (لوقا 43:22).

برأيك، ما مقدار المعرفة التي كان يمتلكها يسوع من ناحية ما سيحدث؟ يمكننا أن نتكّهن، لكن برأيك، أين إنصبَّ إهتمامه بالأكثر؟

لم يتفاجأ يسوع بكلِّ ما كان يحصل، وقد علم أهميَّة أن يصرف الوقت في الصلاة ولم يرواده أي فكر بالهروب أو بتجنّب ما كان سيحصل. لقد علم أنَّ ساعته قد حانت (يوحنا 1:17). ويمكننا أن نرى في هذا المشهد الشخصي والقريب الذي يُظهر مخلّصنا في بستان جثسيماني هلعه الذي ظهر بقطرات عرقه التي كانت تتساقط كقطرات دم. وكان من الواضح أنَّه كان يهيِّء نفسه وتلاميذه لساعاته الأخيرة. لذلك دعونا نتطلَّع إلى أهميَّة ذلك المكان. تعني كلمة "جثسيماني" حرفيًّا مكان عصر الزيتون. وكان زيت الزيتون يُستخدم لإنارة المصابيح. وكان لا بدَّ لنور العالم أن يمرّ في مرحلة السحق والعصر هناك في بستان جثسيماني.

وأخبرنا يسوع أننَّا كأولاد له نور العالم كما أنَّه نور العالم (متى 14:5). وإن كنت تريد أن تنير فمن الممكن أن تمرَّ في تجربة جثسيماني المظلمة. وستُواجه هناك بخيارات روحيَّة تقوم بها، فإمَّا أن تُسلِّم إرادتك للمسيح أو أن تتمسَّك بها. وعندما نقول: "لا إرادتي بل إرادتك"، علينا أن نثق بالله خلال الرحلة وما سينتج عنها. ويُمكن أن تشعر خلال هذه التجربة من الكسر والضغط بالنزعة للإستسلام لطبيعتك البشريَّة بدل الإستسلام لإرادة المسيح. وبالرغم من أنَّ طريق الصليب قاسٍ، وأنَّه يُنتِج ألمــًا أحيانًا، إلاَّ أنَّ الثمار التي تُنتج عنه كثيرة. كذلك، فهذا الطريق يقود إلى الفرح والإنتصار كما أظهر لنا يسوع.

نظنّ أحيانًا أنَّه عندما ننضج روحيًّا في رحلتنا المسيحيَّة، يصبح من السهل الإستماع إلى صوت الروح. وبالرغم من أنَّي أعتقد أنَّ هذا الأمر صحيح في كثير من الأحيان، لكن تمرّ أوقات حين يترك الله إبنه الناضج روحيًّا ليقوم بخيارات روحيَّة بينما يراقبه ويفرح بالإيمان الذي يُظهره. وغالبًا ما يتركنا الربّ لنقوم بخياراتنا بدل أن يقول لنا ماذا يجب أن نفعل. لماذا يترك الله لنا حرِّيَّة الإختيار؟ ألم تتمنَّى يومًا أن يظهر الأمور بشكل واضح جدًّا. ويمكن للعديد منَّا أن يشعروا بما شعر به توما تلميذ المسيح. لقد أراد أن يؤمن، لكنَّه أراد أن يرى برهانًا أيضًا. فبالنسبة له الإيمان هو أن ترى الأشياء. ولم يستطع أن يؤمن أنَّ يسوع قام من الموت إن لم يرَ برهانًا واضحًا حسيًّا. لم يستطع توما أن يؤمن ما لم يرَ أثر المسامير في يدي يسوع ويضع إصبعه في مكان المسامير ويضع يده في جنبه (يوحنا 25:20). وترأف به الربّ فظهر له كي يراه. وقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا». (يوحنا 29:20).

نريد أحيانًا برهانًا مرئيًّا أو محسوسًا نؤسِّس إيماننا عليه. فنحن معتادون على هذا الأسلوب لفهم الحقائق، لكن الربّ يريد أن يشحذ أحاسيسنا الروحيَّة فنتعلَّم أن نتخذ قرارت مبنيَّة على الإيمان. وهذا هو الإيمان الذي يُرضي الله. إنَّه الإيمان غير المستند على أيَّة براهين. وقد إتَّخذ يسوع القرار التالي بالرغم من كلّ القوى غير المنظورة التي كانت تحاول أن تؤثِّر على خياراته:"لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ"(لوقا 42:22)

هل مررت يومًا بتجربة مُرَّة تشبه الوضع في بستان جثسيماني؟ وهل نتج أمر إيجابي عن ذلك؟

المسيح يحزن حتَّى الموت

عندما وصلوا إلى جثسيماني، ذهب إلى موضع يبعد رمية حجر وسقط على ركبتيه وإبتدأ يصلِّي (لوقا 41:22). ويخبرنا متى أنَّه خرَّ على وجهه وهو يصلِّي بحرارة:

"ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي".ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ" (متى 37:26-39).

تصف عبارة:"نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ" الوضع النفسي الأعمق الذي يمكن لأي روح أن تحتمله. وقد وصف مرقس يسوع في إنجيله أنَّه: "ابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ." (مرقس 33:14). وقد طلب من تلاميذه أن يسهروا معه.

لماذا لم يستطع تلاميذ يسوع البقاء ساهرين؟ ما الذي برأيك جعل التلاميذ يغطّون في النوم عندما كان بحاجة لهم؟

كانت تدور في ذلك الوقت حرب روحيَّة كما كان هناك ضغط نفسي هائل. ولا بدَّ أنَّهم كانوا مُتعبين جسديًّا ومُرهقين نفسيًّا، أو أنَّهم لم يريدوا أن يواجهوا ما كان يحصل. وبرأيي يعود سبب ذلك إلى أنَّهم كانوا تحت هجوم روحي ثقيل.

ويصف لوقا يسوع كالتالي:"وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. (لوقا 44:22). وكلمة"جهاد" المــُستخدمة هنا تُشير في اللغة اليونانيَّة إلى شخص يخوض معركة وهو يعتريه خوف شديد.

ويعلِّق جيم بيشوب في كتابه "اليوم الذي مات فيه المسيح" على قطرات عرقه التي كانت تتصبب كالدم بالتالي:

"تُدعى هذه الحالة في المفهوم الطبي haematidrosisأي التعرّق الدموي.

وهي تحصل عندما يتراكم الخوف والألم لدرجة لا يعود الإنسان قادرًا فيها على التحمّل. في تلك اللحظة، يفقد عادة المريض وعيه، وفي حال لم يحدث ذلك تتوسَّع الشعيرات الدموية تحت الجلد لدرجة أنَّها تنفجر عندما تلامس الغدد العَرَقيَّة. ويتصبَّب الدم مع العرق من كامل أنحاء الجسد عادة."

وقرأت أنَّ أمرًا كهذا حصل خلال الحرب العالميَّة الثانية عندما كان الألمان يقصفون مدينة لندن، وقد سًميَّت هذه المعركة "بالحرب الخاطفة". وقد نتج عن القصف العنيف الذي سبَّب الضغط اليومي على سكان لندن أن عددًا منهم أُصيب بالـــhaematidrosis. فالضغط والخوف جعلا بعض الناس ينزفون دمًا.

ويعتقد البعض أنَّ الجملة التي كتبها لوقا:"وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ"، لا تعني حرفيًّا أنَّ غدد يسوع العَرَقيَّة نزفت دمًا، بل أطلقت نقاط عرق كبيرة. ويعتقدون من هذا المنطلق أنَّ الضغط الذي تعرَّض إليه جعله يتعرَّق أكثر من المستوى الطبيعي، لكن لماذا ذُكِر الدم؟ والجدير ذكره أنَّه في ذلك المساء إشتدَّ البرد حتَّى إنَّ بطرس جلس يستدفىء مع الذين قبضوا على يسوع في باحة قيافا.

ما أعنيه هو أنَّ يسوع لم يتعرَّق لأنَّه شعر بالحرّ. ومن الممكن أن يكون قد تعرَّق بسبب القوَّة التي صرفها وهو يصلّي أو بسبب الخوف أو الضغط. ولو كان فعلاً قد نزل عرقه كقطرات دم لكان ثوبه إتَّسخ من الدم وكان تلاميذه رأوا ذلك. وأترك لك صديقي القارىء أي التفسيرين تختار. وإنّي شخصيًّا أعتقد أنَّ الإنجيل يذكر كلمة الدم لأنَّه كان بالفعل يتعرَّق دمًا.

ما معنى كلمات يسوع:"لتعبر عني هذه الكأس؟" (لوقا 42:22). إلى ماذا يشير الكأس، ولماذا أرادها أن تعبر عنه؟

"اِنْهَضِي، انْهَضِي! قُومِي يَا أُورُشَلِيمُ الَّتِي شَرِبْتِ مِنْ يَدِ الرَّبِّ كَأْسَ غَضَبِهِ، ثُفْلَ كَأْسِ التَّرَنُّحِ شَرِبْتِ. مَصَصْتِ."(إشعياء17:51)

يمثّل الكأس صورة عن غضب الله الذي إنصبّ على الخطيَّة. والكتاب المقدَّس واضح جدًّا بشأن أنَّنا نستأهل الموت الروحي بسبب خطيتنا وتمردنا على الله، وبسبب الخيارات الخاطئة التي إتخذناها. ففي جنَّة عدن، قال الله لآدم إنَّه سيموت إذا أكل من شجرة معرفة الخير والشرّ. ولم يمت آدم جسديًّا، لكنَّه مات روحيًّا إذ إنفصل عن الله في اليوم الذي أكل فيه الثمرة. ووُضِع حاجز بينه وبين الله، وبالنسبة لله هذه حالة موت. وقد كتب النبي حزقيال عن عقاب الخطيَّة قائلاً: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (حزقيال 4:18و20). وأضاف متى الكلمات التالية: "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ" (متى39:26). لماذا لم يكن بالإمكان عبور هذه الكأس عن يسوع؟فنحن نعلم أنَّ "غير المستطاع عند الناس هو مستطاع لدى الله" (متى 26:19). لماذا لم تُستجب صلاة المسيح هذه؟

لماذا كان على المسيح أن يشرب كأس غضب الله؟ لماذا لم توجد وسيلة أخرى؟

لو وُجِدت طريق أخرى للفداء، لكان الله إختارها. ولم يكن هناك أي طريق سوى أن يضحِّي الله بإبنه الحبيب ويعرِّضه للعار والعذاب الجسدي والنفسي الشديدين إنتهاء بالموت الأليم على الصليب. لم يكن هناك أي حلّ آخر. وهذا ما يميِّز المسيحيَّة إذ إنَّ الله قدَّم الحلّ بنفسه. ولا نرى مخطَّط النعمة هذا في أيٍّ من الديانات الأخرى. كان هو الطريق الوحيد، إلاَّ أنَّه كان على الله أن يقوم بدور البديل. كان يجب أن تُقدَّم الذبيحة الكاملة، وكان يسوع هو الذبيحة الكاملة الوحيدة التي يُمكن أن تكون كافية للفداء. أمَّا في الديانات الأخرى، فيُعطى الإنسان لائحة من القوانين أو الخطوات ليحاول من خلالها تميم وصايا الله ونيل رضاه.

وتظهر هنا محبَّة الله. فهو قد خطَّط لعمليَّة الفداء. وقد قرَّر أن يدفع الفدية بنفسه. وبالرغم من أنَّ الثمن كان مجانيًّا، إلاَّ أنَّه كان غاليًا. فثمن إعتاقنا من الحريَّة كلَّف الله إبنه الذي أخذ مكاننا. وكانت الدينونة قاسية وعادلة إذ إنَّ النفس التي تخطىء تموت، لكن يسوع إبن الله الذي هو بلا خطيَّة كان مستعدَّا أن يأخذ مكاننا نحن الخطاة ليقرّبنا من الله. "فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله، مماتا في الجسد ولكن محيى في الروح" (1بطرس 18:3).

وكانت المرَّة الأولى التي تجيب فيها محبَّة الله بـــِ "كلا" لصلاة يسوع. ولم تكن هناك طريقة أخرى إلاَّ أن يشرب الكأس للنهاية.

"وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ  نَخْلُصَ." (أعمال الرسل 12:4).

عندما نستوعب فعلاً ما فعل الله من أجلنا، فلا بدَّ أن تكون ردَّة فعلنا الوحيدة هي تقديم محبَّتنا للذي أمَّن لنا إعتاقنا وحريَّتنا من الخطيَّة.

ما الأمر الذي كرهه المسيح فطلب من الله البديل عنه؟

أعتقد أنَّ الأمر تخطَّى موضوع إذلاله على أيدي الأشرار وصلبه. فما سيحصل كان أنَّ المسيح سوف يُلطَّخ بخطيتك وبخطيتي. ففي الصليب وضع الله عليه خطايا كل الجنس البشري مجتمعة. ويخبرنا بولس قائلاً:"لانه جعل الذي لم يعرف(أي المسيح) خطية،خطية لاجلنا لنصير نحن بر الله فيه." (2كورنثوس 21:5). وكان شخصه الكامل سيُلطَّخ بأبشع أنواع الخطايا، وكل خطيَّة إرتكبناها أنا وأنت وُضعت على يسوع. ليس فقط الخطايا التي إرتُكِبت في الحاضر، بل تلك التي إرتُكبت في الماضي وستُرتكب في المستقبل. ولهذا السبب صرخ قائلاً:"إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ (متى 46:27). وكانت تدور حرب روحيَّة في الأفق غير المنظور ضدّ يسوع. ولو كان بإستطاعتنا النظر نحو ذلك الأفق، لرأينا المعركة العظيمة التي كانت تدور هناك. لكن خلال كلّ ذلك، لم تهتز طاعة يسوع للآب. وما بدا في نظر الناس كأنَّه خسارة، وحتى في نظر أقرب الناس إليه على هذه الأرض، كان في الواقع أعظم إنتصار يُمكن تحقيقه. فهذا الإنتصار كان على الخطيَّة والموت.

وُلِد لاعب الكريكيت الإنكليزي المشهور س. ت. ستدّ في عائلة ثريَّة وتتمتَّع بالرفاهيَّة في سبعينيات القرن التاسع عشر. وتلقَّى أفضل العلوم التي يمكن للمال أن يقدِّم، ثم إلتحق بجامعة كامبريدج حيث أصبح كابتن فريق الكركيت الإنكليزي. وكان ستدّ يُعتبر الأفضل في لعبة الكركيت في إنكلترا. وكانت كلّ الأمور تعمل لمصلحته، كذلك فقد ورث إرثًا كبيرًا بُعَيد وفاة والده. لكن كان الله يهيء له مخطَّطًا آخر بدل الثراء في هذا العالم. وذهب مرَّة للإستماع إلى د.ل. مودي يتكلَّم عن المسيح فسلَّم حياته للربّ. ثم قرَّر أن يتخلَّى عن ممتلكاته وثروته وينصرف إلى حقل الخدمة، حتى إنَّه ذهب بمفرده إلى الصين والهند وأفريقيا. وبدا هذا القرار بالنسبة لكثيرين متسرِّعًا ويتضمَّن هدرًا للقدرات الفكريَّة والمواهب. لكن، بالنسبة لستدّ ولستة رجال آخرين رافقوه كان يعني أنَّهم سيستخدمون قدراتهم إلى أبعد حدود. لقد وضعوا إراداتهم رهن مقاصد الله وأهدافه. "لتكن لا إرادتي بل إرادتك". وقد قال ستدّ مرَّة: "إن كان يسوع وهو الله مات عني، فليس هناك أيَّة تضحية ممكن أن تكون غالية لأقدِّمها له." (س.ت. ستدّ).

هل وضعت يومًا إرادتك بين يدي الله؟ أم أنَّ إرادتك لا تزال في يديك؟ لقد لاحظت مرَّات عندما كنت أواجه الموت أنِّي لست مسيطرًا على يوم مماتي، بل إنَّ القرار هو في يدي يسوع! وكان بإستطاعة المسيح أن يختار الطريق الأسهل ويطلب من ملائكته المساعدة.

القبض على يسوع

دعونا نلقي نظرة على النص الوارد في إنجيل يوحنا للإطّلاع على ماذا حصل في بستان جثسيماني وكيف تمّ إلقاء القبض على يسوع.

قَالَ يَسُوعُ هذَا وَخَرَجَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ إِلَى عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ، حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ دَخَلَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ. وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ، لأَنَّ يَسُوعَ اجْتَمَعَ هُنَاكَ كَثِيرًا مَعَ تَلاَمِيذِهِ. فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». أَجَابَ يَسُوع: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ». لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: «إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا».
ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ.فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: «اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟».
ثُمَّ إِنَّ الْجُنْدَ وَالْقَائِدَ وَخُدَّامَ الْيَهُودِ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ،
وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حَنَّانَ أَوَّلاً، لأَنَّهُ كَانَ حَمَا قَيَافَا الَّذِي كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
وَكَانَ قَيَافَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى الْيَهُودِ أَنَّهُ خَيْرٌ أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ. (يوحنا1:18-14)

كان يهوذا يعلم أين كان يسوع ينام أحيانًا، ولذا أخذ بعض الجنود الرومان ورجال الدين إلى هناك. وتشير اللغة الأصلية للنص أنَّ مجموعة الجنود تلك قدِمت من قلعة أنطونيا الواقعة على الجانب الشمالي الغربي لجبل الهيكل حيث إقامة بيلاطس والموقع العسكري الروماني. وكانت تلك المجموعة مؤلَّفة من أربعمائة وخمسين محاربًا، إضافة إلى الرجال الذين أرسلهم رئيس الكهنة والفرِّيسيين. ويقدِّر البعض أنَّ الرقم قارب الستمائة جنديٍّ.

لما كانت ضرورة هذا العدد الكبير؟ لا بدَّ أنَّهم كانوا يتوقّعون نشوب قتال وأنَّه لا بدَّ أن يكون عددًا آخر من تلاميذ المسيح متواجدين في البستان. وكانوا قد جلبوا معهم مصابيح ربَّما ظنًّا منهم أنَّ يسوع سيختبأ عنهم. لكنَّ يسوع لم ينتظر أن يبدأوا بالتفتيش عليه، بل أخذ المبادرة وسبقهم إلى البستان (يوحنا 4:18). وكان منشغلاً بأمر تلاميذه، ولذلك رفع صلاة في يوحنا 17 من أجل حمايتهم خلال وقت إعتقاله. وكان مسيطرًا على الوضع بأكمله. وطرح عليهم السؤال: "فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ." (يوحنا 4:18-6).

لماذا وقع الجنود أرضًا؟

لقد أتى هؤلاء الجنود حاملينالسيوف والعصي وجاهزين لأي إحتمال ممكن أن يطرأ. وكان الجنود الرومانيون معروفين بشدَّة بأسهم، ولم يكن السقوط على الأرض من شيمهم. وكانوا جاهزين لكلِّ ما يمكن أن يحدث بينما ساروا نحو البستان. تخيَّل المشهد حيث يقع هذا الكمّ من الرجال أرضًا تحت تأثير حضور الرب القوي. وفي اللحظة التي تفوَّه بها يسوع بإسم الله كما هو في اللغة اليونانيَّة(egō eimi) أي "أنا هو"، سقط الجنود على الأرض.

ونجد أن يسوع يكرِّر خلال إنجيل يوحنا إضافة إسم الله على صفات شخصيّته المتعدِّدة. أنا هو الباب، أنا هو الرعي الصالح، أنا هو نور العالم، أنا هو الطريق،...وأعتقد أنَّه كان بذلك يُظهر قوته الروحيَّة الصرف أمام هؤلاء الجنود. لقد أرادهم أن يعرفوا أنَّه يسلِّم نفسه لهم من تلقاء ذاته. يا له من مشهد، فمئات الرجال كانوا مرعوبين من رجل واحد وتلاميذه الأحد عشر، وقد إستخدم واحد منهم فقط سيفه في محاولة للدفاع. وسألهم يسوع مرَّتين:"من تريدون؟" ليؤكِّد لتلاميذه أنَّهم أحرار من قبضتهم. ويخبرنا يوحنا أنَّ بطرس إستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه:" ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ.فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: «اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟".(يوحنا10:18-11). فكعادته، تصرَّف بطرس بتهوّر وقطع أذن العبد المدعو ملخس. وكان هذا الأمر ممكن أن يكون بداية للقتال. ولماذا لم يهاجم الرجال الأربعمائة والخمسون بطرس والتلاميذ؟ بالرغم من أنَّ الإنجيل ليس واضحًا بالنسبة لذلك، إلاَّ أنَّه يبدو أنَّ حضور الربّ شتَّت الجنود. ونجد الرب يسوع هنا من جديد مسيطرًا على الوضع ومذكِّرًا بطرس أنَّ إرادته يجب أن تُتمَّم وأنَّه يجب أن يشرب كأس الألم من أجل خطايا الناس. لاحظ أنَّ شفاء أذن العبد تمّ في الحال. ولم يحتاجوا للتفتيش عليها حتى يضعها يسوع من جديد في مكانها لتلزق هناك. ويخبرنا لوقا أنَّ يسوع لمس أذن العبد فبرأت: فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ: «دَعُوا إِلَى هذَا!» وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا.(لوقا 51:22). وإنِّي أعتقد أنَّ تلك كانت معجزة خلاَّقة!

يشير متى في سرده للأحداث أنَّ يسوع قال لهم إنَّ الأمور ستجري كالتالي:"تَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟". (متى 53:26-54). كان المسيح مسيطرًا على الوضع في كلّ لحظة. لم يهرب. وواجه الجنود المسلَّحين. وإنّي أؤمن أنَّ قوَّة الله جعلتهم يسقطون أرضًا. وعلينا أن نثق أنَّ قوَّات السموات ستكون رهن خدمتنا عندما نقول:"لتكن لا إرادتي، بل إرادتك." فالله يحرّك الأمور عندما توجِّه المجد له.

هل مررت يومًا بتجربة هدَّدت حياتك؟ كيف تعاملت مع الأمر، وكيف غيَّر ذلك نظرتك للحياة؟

لا نعرف أين ستقودنا الطريق عندما نقول:"لتكن إرادتك." وقد يحمل الأمر تحديًّا لنا لأنَّه لا يمكن أن نعرف كيف سيقودنا الله أو إلى أين سيقودنا، لكنَّنا نشعر بالسلام الذي يفوق كل إدراك عندما نضع حياتنا وإراداتنا بين يديه.

إنَّ العديدين منكم يمرون بمفترق طرق يؤدِّي إلى جثسيماني. والسؤال الأكبر الذي يُطرح هو ما إذا كنت ستخضع لله: هل ستخضع للأهداف الذي يضعها لحياتك؟ هل ستسلّمه إرادتك وتضع حياتك بين يديه. تخبرنا كلمة الله أن نكون: "نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ". (عبرانيين 2:12)

صلاة: نشكرك يا رب من أجل القرار الذي إتخذته في بستان جثسيماني. لقد نظرت إلى المستقبل ورأيت كلّ واحد منَّا، فإمتلأ قلبك بالفرح وإزددت قوَّة لكي تحتمل ما كان سيحلّ بك. ساعد كلّ واحد منَّا ليضع إرادته وحياته بين يديك ويثق بك بالتمام. آمين.

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com