32. The Work of the Holy Spirit

عمل الروح القدس

سؤال للمناقشة: هل حصل معك أن توقّفت سيارتك فجأة عن السير؟ كيف تمّ تصليحها؟

سؤال بديل للمناقشة: من كان أستاذك أو معلمتك المفضّلة، وما الأمر الذي جذبك إليه (إليها)؟

منذ عدَّة سنوات ذهبت برفقة زوجتي وفريق مؤلّف من سبعة آخرين في رحلة خدمة من إنكلترا إلى فرنسا وإسبانيا والبرتغال. فزرنا مــُرسلين ورعاة في تلك البلاد بهدف مساعدتهم بمساعيهم التبشيريَّة. وقمنا بالبشارة في الشوارع مــُستخدمين وسائل تواصل عديدة منها التمثيل الإيمائي لنتخطَّى حواجز اللغة. وهل يمكنني تقديم نصيحة؟ عند القيام برحلة طويلة كهذه ليس من الحكمة إستخدام فان قديم! قدنا مئات الأميال إلى فرنسا، وكنَّا قد وصلنا إلى نقطة منفردة وفجأة رأينا ضوء أحمر يومض في لوحة القيادة. ماذا كنت ستفعل في وضع كهذا؟ وقمنا بما يمكن أن يقوم به أيّ إنسان عاقل في مثل هذه الحالة، ركنا الفان على جانب الطريق متجنِّبين إشتعال المحرِّك وقضينا الليلة فيه. وفي الصباح التالي، توجَّهنا إلى أقرب ميكانيكي لإصلاحه. لقد كان من الغباء الإستمرار بالقيادة بالرغم من الضوء الأحمر، لأنَّ وميض ذلك الضوء يعني أنَّ أمرًا ما ليس على ما يرام.

ونجد في النص الذي نحن بصدد دراسته إحدى نواحي عمل الروح القدس إذ هو "يومض الضوء الأحمر" بهدف تنبيهنا وتبكيتنا عن خطيَّة معيَّنة. إنَّه كالضوء الذي يومض في حياتنا كتحذير بأنَّ هناك خطبًا ما.

وأوّد قبل التوجّه نحو النص الذي يتكلَّم عن الروح القدس أن أقدِّم السياق الذي تقع فيه الآيات التي نحن بصدد دراستها. كانت ليلة يسوع الأخيرة على الأرض قبل الصلب. وكتب يوحنا تلك الوقائع سنين عديدة بعد حدوثها، ويذكر أنَّ التلاميذ جميعًا كانوا قد تركوا العليَّة حيث تناولوا العشاء الأخير (العدد الأخير من يوحنا 14)، وكانوا في طريقهم إلى بستان جثسيماني على الجانب الشرقي من جبل الهيكل في أورشليم. ويبدو أنَّهم توقَّفوا في طريقهم إلى هناك بالقرب من الهيكل حيث كان بإستطاعتهم رؤية الكرمة الذهبيَّة المتدلَّية على مدخله. ولا يهمنا أين توقّفوا، إلاَّ أنَّ يسوع توقَّف ليعلِّمهم أنَّه الكرمة الحقيقية لإسرائيل وأنَّهم الأغصان التي تحمل ثمار تلك الكرمة (يوحنا 15). وكان قد بدأ يسوع بتهيئتهم للساعات التي تنتظرهم، وقد علم أنَّه حين يُضرب الراعي ستتبدَّد الخراف. وكان قد حذَّرهم كثيرًا في تلك الليلة وفي اليوم التالي، لكن لم يكن بإستطاعتهم تخيّل أنَّ أمرًا كهذا ممكن أن يحدث لسيِّدهم ومعلِّمهم المحبوب. وكان قد أخبرهم سابقًا عن تألمهم الآتي، إلاَّ أنَّ المعلومات لم تختزن في أدمغتهم، بل وضعوها بعيدًا إذ لم يستطيعوا أن يفهموا ما كان رب المجد يقول لهم. وكانت تلك الليلة مختلفة، إذ علموا من هيئته والكلمات المنبثقة من قلبه أنَّ وقته قد حان وكان يهيئهم للإنفصال عنهم. وأرجو أن تقرأ كلمات ربّنا لتلاميذه في تلك الليلة:

«وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي: أَيْنَ تَمْضِي؟

لكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ.

لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ.

وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ:

أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي.

وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا.

وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ.

«إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ.

وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ.

ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.

كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.

بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي، لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ». (يوحنا 5:16-16)

أخيرًا فهموا أنَّه كان سيتركهم فحزنوا جدًّا. وأظن أنَّهم ذرفوا الدموع الكثيرة بينما شارك معهم كلماته الأخيرة. وكان قد مضى على وجوده معهم أكثر من ثلاث سنوات، وإمتلأت قلوبهم بالأسى وتساءلوا:"كيف يعقل أن يتركنا؟" "لا بدَّ أن توجد طريقة أخرى." لم تكن هناك إجابة أخرى لتساؤلاتهم غير المنطقية سوى أنَّه لا توجد طريق أخرى سوى الصليب.

وعلم يسوع أنَّه حين يصل إلى بستان جثسيماني سيتركز كلّ تفكيره على الصلاة ضد قوات الشر غير المرئيَّة. ولا بدَّ أنَّ الشيطان وأجناده كانوا مبتهجين لإتمام مخطَّطهم، وأنَّ الربّ سيكون تحت سيطرتهم قريبًا كما أرادوا دائمًا. وكم سيتمتّعون بتعذيبه وأخيرًا بقتله. وكان على يسوع أن يهيّء تلاميذه للساعات الآتية قبل أن يصلوا إلى بستان جثسيماني كي لا ينهاروا عند ساعة موته.

وقال لهم وسط الدموع والنحيب إنَّه من الأفضل لهم أن يذهب، لأنه سيُرسل الروح القدس. وهنا نجد عبارة تشير بأسلوب غير مباشر إلى ربوبيَّة المسيح. فلو كان رجلاً إعتياديًا ما كان ليتكلَّم عن إرسال الآب الروح القدس لهم. فما من إنسان يرسل الله لتنفيذ أوامره، إلاَّ يسوع الإنسان المــُرسَل من قِبَل الآب ليصالح الناس مع الله.

إنَّ عمل المسيح وخدمته ستتضاعف وتثمر من خلال جسده بمجيء الروح القدس إلى عالمنا. ولو بقي يسوع في الجسد لكانت خدمته محدودة، لكنَّها الآن تتوسَّع بسبب حلول الروح القدس في حياة كلّ مؤمن. لا بدَّ أنَّ تلك الحقيقة كانت صاعقة للتلاميذ. فإلى تلك اللحظة، كان حضور الروح القدس مقتصر لمهمَّات محدَّدة وفي أشخاص مميَّزين. وها هم يسمعون أنَّ الروح القدس سيحل عليهم وعلينا نحن أيضًا مؤمني القرن الحادي والعشرين. يا لها من فكرة رائعة أن نعرف أنَّ الروح سيأتي ويعيش في هياكل وقلوب الرجال والنساء!

عمل الروح القدس في العالم (الأعداد 8-11)

قال يسوع إنَّ عمل الروح القدس سينقسم إلى ثلاثة نواح. فهو سيبكِّت العالم على الخطيَّة والبر والدينونة (يوحنا 8:16). وقبل أن نلقي نظرة على النواحي الثلاثة، دعونا نتكلَّم عن الكلمة "يبكِّت" أو convictفي اللغة الإنكليزية، وقد إستُخدمت كلمة elegcho في اللغة اليونانية. وتشير هذه الكلمة إلى إستجواب أحدهم في المحكمة. وتشير الصورة إلى شخص تحت الإستجواب الشديد لدرجة أنَّه ينهار تحت الضغط ويعترف بذنبه أمام الله القدوس. وكانت كلمة elegcho تُستخدم للإقناع أو التبكيت أو إظهار ذنب أحدهم .

ماذا ذكر يسوع عن أهم الأعمال (المذكورة في الأعداد 8-15) التي سيقوم بها "المعزِّي" (ع 7) أي الروح القدس؟ ما الذي سيشهد عنه الروح القدس؟

لقد قرأت الكثير عن النهضات الروحيَّة في الماضي، وما وجدته أنَّ الروح القدس حلّ على منطقة أو مدينة أو بلدة بسبب الصلوات الواثقة وقد أنتج ذلك شعورًا قويًّا لوجود الله وتبكيتًا قوِّيًّا عن الخطيَّة. وعندما كان يذهب تشارلز فيني خلال فترة النهضة في الولايات المتحدة الأميركية إلى بلدة ما، كان الناس يشعرون بتغيّر في الجو الروحي هناك. وكان الناس يشعرون فجأة بالفراغ وبالذنب بسبب خطاياهم. وكانت لمسة وجود الروح القدس واضحة جدًّا في حياته وقد بقيت معه أينما كان يذهب من قرية إلى قرية يبشِّر بكلمة الله. وعندما كان يتكلَّم عن الربّ، كان الناس يقعون أرضًا بسبب تبكيت الروح ويصرخون طالبين من الله أن يرحمهم. وكان يبدو أنَّ حضورًا مميّزًا حلّ على المنطقة التي كان يبشِّر فيها. وقد قال عن أحد المرَّات:

"لم يمكن لأحد أن يأتي إلى البلدة والمنطقة المجاورة دون أن يشعر بوجود الله هناك بطريقة أو بأخرى. فمثلاً، كان نقيب الشرطة "براينت" يعيش في "يوتيكا". وكانت توجد محكمتان في تلك المقاطعة، الأولى في روما والثانية في يوتيكا. وكان النقيب يتردَّد على روما، وقال لي لاحقًا إنَّه سمع ما كان يجري فيها وقد إستهزأ مع كثيرين على هذا الموضوع. وحدث يومًا أنَّه كان مضطَّرًا على الذهاب إلى روما، وكان يريد أن يذهب لكي يرى بأم العين ما يحدث هناك. وركب عربته ذات الحصان الواحد دون أن يفكر بالأمر إلى أن وصل إلى ما كان يدعى "القناة القديمة" في البلدة، فلفَّه شعور عميق من الرهبة لم يشعر به من قبل، ولم يستطع التخلّص منه. وشعر كأنَّ الله كان حالّاً في الجو. وقال إنَّ ذلك الشعور تفاقم طوال الطريق إلى أن وصل إلى البلدة. وتوقّف عند نزل السيد فرانكلين، وأخذ السائس حصانه. وشعر أنَّ السائس أيضًا كان يشعر بالرهبة مثله وكان خائفًا من أن يتكلَّم. ودخل ليلتقي بالرجل الذي كان على موعد معه، إلاَّ أنَّ الإثنين كانا متوتِّرين ولم يستطيعا التركيز على أمور العمل. وقال إنَّه خلال الإجتماع توجَّه أكثر من مرَّة إلى النافذة لكي يلهي نفسه عن البكاء. ولاحظ أنَّ جميع من حوله كانوا يشعرون بالمِثل. وكانت الرهبة والخشوع يلفَّان المكان. ولم يكن قد إختبر تلك الحالة في حياته من قبل. وأنهى زيارة العمل وتوجَّه بسرعة إلى يوتيكا لكن (كما قال لاحقًا)، مقرِّرًا أن لا يتكلَّم بإستخفاف مرَّة جديدة عن عمل الروح القدس في روما. بعد بضعة أسابيع، زار فيني بلدة يوتيكا، وقبل النقيب الرب."

لقد حلَّت قوَّة الله بشكل سيادي في تلك المنطقة. والرب يأتي إلى الأفراد بسيادته المطلقة. وفي النص الذي نحن بصدد دراسته، يتكلّم الرب عن حلول الروح القدس عليهم وعلينا نحن أيضًا كأفراد. وقال يسوع في العدد السابع إنَّ الروح القدس سيحل عليكم. وسيلاحظ غير المؤمنين حضوره في حياة المؤمنين فيتبكَّتون عن خطاياهم. ربَّما لن يعترفوا دائمًا بالتبكيت الذي يشعرون به، إلاَّ أنَّ الروح القدس يستخدم الشاهد وأسلوب حياة المؤمن.

شاركوا مع بعضكم البعض كيف تأثَّرت حياتكم بحياة مؤمن آخر بالمسيح.

1. أولاً، الروح القدس يبكِّت العالم على الخطيَّة. لاحظ أنَّ كلمة "الخطية" لم تأتي بصيغة الجمع. فهو لا يذكر هنا الخطايا المنفردة، بل خطيَّة عدم الإيمان بعمل إبن الله الكامل على الصليب بدلاً عنك إذ حلَّ مكانك هناك. وسيُطرح سؤال واحد على كل من سيقف أمام كرسي الله للدينونة بعد موته:"ماذا فعلت بهبة الخلاص المجَّانيَّة وبشخص الرب يسوع المسيح؟ هل تبت (أدرت ظهرك لخطاياك)، وآمنت (وضعت ثقتك بالكامل) بما تم على الصليب من أجلك؟" إنَّ خطيَّة عدم الإيمان جِدِّيَّة جدًّا وهي سترسل كثيرين إلى أبدية حيث لا وجود لله."منْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ." (يوحنا 12:5)

2. ثانيًا، الروح القدس يبكِّت العالم عن البــر، لأنَّ المسيح كان ذاهبًا إلى عند الآب (ع 10). يقول الكتاب المقدَّس إنَّ بعد عودة المسيح إلى الآب أصبح عمله أن يقدِّم لنا برَّه الذي إقتناه على الصليب."وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ الله." (عبرانيين 12:10). والجلوس يعني أنَّ العمل قد تمَّ. وهذا البــر (المنسوب إلى المسيح) الذي يبكّت البعيدين عن المسيح يُعطى للإنسان عندما يؤمن بالمسيح. وماذا تعني تلك العبارة الكبيرة "البــر المنسوب"؟ تعني كلمة "المنسوب" "أن يضع في حساب أحدهم، أن يُحسَب له." ويسوع يضع برَّه في حسابنا المصرفي الروحي عندما نؤمن به ونتخذه مخلِّصًا شخصيًّا. ونُعطى بــر المسيح كهديَّة مجَّانيَّة."لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (2كوررنثوس 21:5)

ما يقوله يسوع هنا هو أنَّ حلول الروح القدس في التلاميذ هو البــر الذي يسعى وراءه الذين هم بعيدون عن المسيح. فبــر المؤمن يبكِّت غير المؤمن. وهذا هو البــر الذي رآه شاول أو بولس على وجه إستفانوس عندما كان وجهه يلمع كملاك (أعمال الرسل 15:6). فمجد وبــر الله ظهرا على وجهه وسط الألم.

3. ثالثًا، الروح القدس يبكِّت الناس على دينونة. سيأتي يوم الدينونة حين سيُصلح وضع العالم. وسيُذكِّر حلول الروح القدس في يوم الخمسين بحسابات الناس في حياتهم في هذا العالم (رومية 12:14). لكن، لماذا يضيف الرب العبارة التالية: "لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ."(ع 11). وتشبه هذه العبارة عبارة أخرى قالها يسوع قبلاً: "اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا." (يوحنا 31:12)

من هو رئيس هذا العالم الذي يشير إليه يسوع في هذا النصّ؟ ولماذا سيُدان؟ وماذا سيحصل لرئيس هذا العالم؟

الشيطان يُدان على الصليب

كلّنا يعلم أنَّنا إشتُرينا بثمن (1كورنوثس 20:6)، وكان دم يسوع الثمين هو الثمن الذي دُفِع من أجل خطايانا وحرَّرنا من قبضة إبليس. لكن حصل أمر آخر على الصليب. كيف دين إبليس على الصليب.

عندما جرَّب الشيطان يسوع في البريَّة أخذه على جبل عالٍ وأراه كلّ ممالك الكون وعظمتها: وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِــي».  حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ»" (متى 8:4)

كيف يمكن لإبليس أن يقدِّم شيئًا ليس ملكه للمسيح؟ فالكتاب المقدَّس واضح أنَّ الأرض للرب (مزمور 1:24). ولم ينفِ يسوع إدَّعاء الشيطان سيطرته على الأرض. وفي الواقع فإنَّ يسوع يصف الشيطان في مكانين أنَّه "رئيس هذا العالم." (يوحنا 31:12، و30:14).

لقد ربح الشيطان في جنّة عدن السلطان والحكم على هذا العالم، عندما إختار آدم وحوَّاء أن يطيعاه بدل أن يطيعا الربّ. فمنذ البداية كان الرب قد أعطى السلطان والحكم للإنسان:

"وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَعَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».

فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.

وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُواعَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ»." (تكوين 26:1-28)

وأُخضِع نسل آدم للشيطان وإستلم الشيطان السيطرة على هذه الأرض التي كان الله قد أعطانا إيَّاها. والكلمة العبريَّة radah التي تعني "يحكم" تحمل معنى "أن يخضع ويكون له السطان."

ويقول الملك داود أمرًا مشابهًا بوحيٍّ من الروح القدس:

"إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا،

فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟

وَتَنْقُصَهُ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ.

تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ." (مزمور

والكلمة العبرية mashal التي تتُرجم إلى كلمة rulerفي اللغة الإنكليزيَّة والتي تعني "الحاكم" باللغة العربية (مزمور 6:8) تشير إلى أنَّ آدم ونحن نسله وكلاء الله (أو مدراء أو حكَّام) على هذه الأرض. وتعني كلمة Mashal:"أن يحكم أو يملك أو يسيطر أو يتسلَّط أو يدير شؤون." 

وكان الإنسان منذ البداية مختلفًا عن سائر المخلوقات لأنَّه تكلَّل بالمجد وأُعطي أن يحكم الأرض. وهو الوحيد الذي خُلِق على صورة الله وبإمكانه أن يحكم بنعمة وعدل:"السَّمَاوَاتُ سَمَاوَاتٌ لِلرَّبِّ، أَمَّا الأَرْضُ فَأَعْطَاهَا لِبَنِي آدَمَ." (مزمور 16:115). لكنَّ الإنسان تخلَّى عن حقوقه وسلطانه لإبليس عند سقوطه في جنَّة عدن. وكان بإستطاعة إبليس أن يقول ليسوع بكلِّ جسارة عندما جرَّبه: "وقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ:«لَكَ أُعْطِي هذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ." (لوقا 6:4). فلم يكن إبليس يجرِّب يسوع بأشياء لا يملكها، بل كان يقدِّمها له ليستخدمها كنفوذ له. وكان هدفه أن يحيد عيني يسوع عن الصليب ويسجد له ويتصرَّف خارج إرادة الآب.

لهذا السبب، كان يجب أن يأتي الفداء من خلال إنسان، لأنَّ الأرض كانت قد أُعطيت لنسل آدم، ولا يستطيع سوى واحد من نسله أن يسترجعها. فالإنسان كان مؤتمنًا على هذه الأرض. وأصبح بإمكان آدم أن يفعل ما يشاء بأيٍّ من نسل آدم لأنَّهم أصبحوا عبيدًا لديه بسبب خيار آدم أن يطيعه بدل أن يطيع الله. فالأمر يتطلَّب عصيانًا واحدًا. وكان يجب التفتيش عن إنسان لا يخضع لسلطة إبليس. ولهذا السبب كان على المسيح أن يولد من عذراء. ولا عجب أن تكون فكرة الولادة العذراوية معرَّضة للهجوم، وأن يرفضها العدو قائلاً إنَّها فكرة غبيَّة. لكنَّها عنصر مهم في قصَّة الفداء. وكان على المسيح أن يأتي من نسل آدم دون أن يتلطّخ بالخطيَّة، وإلاَّ يصبح تحت سيطرة إبليس ويلبس طبيعة آدم. وكان إنسانًا كاملاً وإلهًا كاملاً لأنَّه حُبِل به من الروح القدس. ولذلك، لم يستطع إبليس أن يتساءل حول براءة المسيح لأنَّ يسوع لم يحمل الحمض النووي الآدميّ. وما أعنيه هو أنَّه عندما قرَّر إبليس أخذ يسوع للصليب أصبح لأوَّل مرَّة تحت القانون الإلهي قاتلاً لأنَّ يسوع كان بريئًا مئة في المئة وهو لم يُخطىء أبدًا. وأُعلنت دينونته على الصليب. وكلّ من يؤمن أنَّ المسيح دفع بموته على الصليب ثمن خطاياه يتبرّر أمام الله. فالعدالة الإلهيَّة تمَّت على الصليب. وكان الشيطان وما يزال محكومًا بالإعدام في المحكمة السماويَّة، لأنَّه لا يحق له قتل يسوع بسبب حياته الفارغة من الخطيَّة.

"فإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ." (عبرانيين 14:2-15).

إنَّ الشيطان وملائكته لا يريدونك أن تفهم المفاعيل الكاملة لتلك الأعداد. وبالتأكيد هم لم يفهموا لماذا سمح الله لإبليس وملائكته الساقطين أن يصلبوا المسيح. "الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ."(1كورنثوس8:2)

من هم حكَّام هذا العالم؟ رؤساء الكهنة أو الفريسيون أو قادة إسرائيل غير متورطّين بالتأكيد، بل كانوا كأحجار الشطرنج بيد الأرواح الشرِّيرة. كم كنت أحبّ أن أرى ردَّة فعل إبليس عندما أسلم يسوع روحه ونزل إلى أعماق الهاوية. ونحن نعلم أنَّه أخذ مفاتيح الموت والهاوية من يد العدو:

"فلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً لِي:«لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ." (رؤيا يوحنا 17:1-18).

وكان صليب المسيح دينونة لإبليس، لكنَّه أعتقنا من قبضته. وقد كان يسوع يقول لتلاميذه بينما كانوا يبكون إنَّه سيجلس عن يمين الآب وإنَّ طاعته بأن يقدِّم نفسه كحمل الله سوف تعتقهم من الموت.

عمل الروح القدس في المؤمن

يعمل الروح القدس في ثلاث نواح من حياة المؤمن:

1. يقود المؤمنين إلى كلّ حقٍّ (يوحنا 16:3). إنَّ الحقَّ ليس أمرًا يكتشفه الإنسان، بل الروح القدس يكشفه. فالحقيقة بعيدة عنَّا، لكنَّ الروح يكشفها لنا إن كنَّا نملك قلبًا قابلاً للتعلّم. لكن الله يضعنا تحت المحاسبة بعد أن يرينا الحق، إذ يتوقّع منَّا أن نظهره في حياتنا. وكلَّما أُظهر لك الحق من خلال الروح القدس، كلَّما ظهر في حياتك، وكلَّما ظهر المسيح في حياتك ونموت فيه ولبسته.

يقول يسوع أنَّ الروح القدس سيقودنا إلى الحق. هل تختبر ذلك في حياتك؟ شارك مع الآخرين كيف يحدث ذلك.

2. يخبرنا بما سيأتي. وهذا ما فعله يسوع مع التلاميذ في تلك الليلة. وأخبرهم بما سيحدث حتى يعرفون أنَّهم سيبقون في إرادة الله عندما يأتي الإضطهاد. وإن كنَّا ندرس كلمة الله بقلب منفتح نجد أنَّها تكلَّمت كثيرًا عن ماذا سيحصل في المستقبل. وإنِّي أؤمن أنَّ الربّ يعيد عمل خدمة النبوَّة في هذه الأيَّام، لكن يجب علينا أن نكون مستمعين يقظين لنتأكد من أنّ كل ما نسمعه يتماشى مع كلمة الربّ. ونحن نعيش في زمن حيث الروح يفتح أعيننا أكثر وأكثر إلى الأسفار النبويَّة كي يهيِّىء الكنيسة إلى زمن الإضطهاد الآتي كما أعتقد. "إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لاَ يَصْنَعُ أَمْرًا إِلاَّ وَهُوَ يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ" (عاموس 7:3)

3. يمجِّد المسيح. لقد وجدت أنَّه كلَّما علَّمت عن الربّ يسوع المسيح وعن عمله الذي أتممه بارك الروح القدس هذا العمل. فيا أيَّها المعلِّمون والوعَّاظ وقادة المجموعات الصغيرة وكل من يريد أن يخدم الربّ علّوا شأن يسوع وقدِّموه على الجميع وستجدون ختم موافقة الروح القدس ووجوده في حياتكم، لأنَّ هدفه هو تمجيد الرب يسوع. إقرأوا الأناجيل بإستمرار، وأشبعوا نفوسكم من تعاليم المسيح.

لقد ذكرت سابقًا وأكرِّر إنَّ مهمَّة الروح القدس هي إجتذاب الآخرين للمسيح. وما علينا سوى أن نكون رسله. ويسوع ما يزال يتكلَّم معنا كما فعل مع تلاميذه. وقد وعدهم قائلاً: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ." (يوحنا15:16)

إذًا، كن آنية طيِّعة، وإحفظ كلامه في قلبك، وشارك بكلِّ بساطة من يكون يسوع بالنسبة لك وماذا فعل في حياتك. وتذكَّر أنَّه يمكن أن تكون الشخص الوحيد الذي سيرى فيه بعضهم المسيح.

كتب "فل كايغي" أغنية بعنوان "اللّسوحة الفنيَّة" مأخوذة من شعر كانت قد كتبته "بياتريس كليلاند" عنوانه " لوحة المسيحي الفنيّة". دع حقيقة ما تقرأه يدخل إلى أعماق قلبك ويلهمك لتقترب أكثر إلى الله. ودع الروح القدس يقترب منك ويساعدك أن تكون بكل بساطة شاهدًا له.

الحقيقة التي علَّمتَها

واضحة كانت بالنسبة إليك، غامضة بالنسبة إلي

لكن، عندما إقتربت منِّي

جلبت معك نفخة منه

يجذبني بنوره

وأرى حبه من خلال كلماتك

إلى أن لا أعود أراك، وأرى المسيح فقط

أهي إبتسامة جميلة؟

أم نور مقدَّس على جبينك؟

آه، كلا. شعرت بحضوره عندما ضحكتَ الآن.

صلاة: أيَّها الرب، صلاتي اليوم أن يحلّ روحك من جديد علينا. إجعله يتنفس من خلالنا وينعش أرواحنا لنسير في طرقك. شع بنورك على طرقنا، وأظهر يسوع أكثر لكل واحد منَّا وللعالم أيضًا. آمين!

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com