30. Jesus the Vine

يسوع هو الكرمة الحقيقيَّة

سؤال للمناقشة: هل يمكنك مشاركة إختبار حين إستجاب الله لصلاة رفعتها؟ ما كانت الصلاة، وكيف إستُجيبت؟

سؤال آخر إختياري للمناقشة: شارك إختبار شعور إنتمائك إلى مجموعة معيَّنة. ما كان سبب شعور الإنتماء هذا؟

«أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ.

كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ.

أَنْـتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ.

اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ.

أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا.

إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ.

إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ.

بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ فَتَكُونُونَ تَلاَمِيذِي.

كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي.

إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ.

كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ.

«هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ.

لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ.

أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ.

لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي.

لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ، لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي.

بِهذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. (يوحنا 1:15-17)

أنا الكرمة الحقيقيَّة

ها قد وصلنا إلى آخر عبارة من عبارات الـــ "أنا هو" التي قالها يسوع عن نفسه. "أنا هو الكرمة الحقيقيَّة." وعندما أخرج الرب الشعب من مصر على يد موسى قال له أن يجيب بالتالي عندما يسأله الشعب عن من أرسله: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ». (الخروج 14:3). وعبارة "أنا هو" هي الترجمة لكلمة YHVHالعبريَّة والتي تُلفظ كالتالي "يهفا"، وقد تُرجمت إلى الإنكليزية LORD ، وبالتالي إلى العربيَّة "الربّ". وكان هذا الإسم الشخصي الذي عرَّف الربّ به عن نفسه، كما إنَّه يُذكر أكثر من ست آلاف مرَّة في العهد القديم. ومعنى كلمة YHVHغير واضح لمفسِّري الكتاب المقدَّس، لكن يعتقد الكثيرون أنَّ الإسم يحمل المعنى التالي:"أنا من أكون، أو أنا من سأكون." وكان الربّ يقول لتلاميذه ولنا نحن إنَّه سيكون كلّ ما نحتاجه أن يكون.

أمَّا باقي العبارات التي تبدأ بــــِ "أنا هو" فهي: "أنا خبز الحياة" (يوحنا 35:6)، "أنا هو نور العالم" (يوحنا 12:8)، "أنا هو الباب" (يوحنا 9:10)، "أنا هو الراعي الصالح" (يوحنا 11:10)، "أنا هو القيامة والحياة" (يوحنا 25:11)، "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يوحنا 6:14). وقد أغضبت تلك العبارات الفريسيين، لدرجة أنَّهم أرادوا أن يرجموه لعلَّة التجديف (يوحنا 58:8-59).  وقد فهموا بوضوح أنَّ يسوع كان يقول إنَّه نفس YHVHالذي حرَّر الشعب من العبوديَّة.

ونقرأ في هذا النصّ أنَّ يسوع يقول عن نفسه إنَّه الكرمة الحقيقيَّة. ماذا كان يعني بذلك؟ سنبحث عن الإجابة من خلال دراستنا للنصّ.

نقرأ أنَّ يسوع كان قد أخبرهم عن مجيء الروح القدس، ومن ثمّ همَّ بالمغادرة (يوحنا 31:14). وكان موقع العلّية حيث تناول يسوع عشاءه الأخير معهم إلى الجانب الغربي للهيكل. وكان عليهم العبور وسط الهيكل لكي يصلوا إلى بستان جثسيماني.

وكان يسوع كأي معلِّم في ذلك الوقت يتكلَّم وهو يسير مع تلاميذه. ولا بدَّ أنَّه كان بإستطاعتهم رؤية الكرمة الذهبيَّة التي كانت تتوِّج الأعمدة خارج الهيكل. وكان كلّ عنقود مدلّى بحجم رجل.

ويُخبر الميشنا أو الكتاب الذي يحتوي على التقاليد اليهوديَّة الشفويَّة أنَّ الناس كانوا يقدِّمون من مالهم للربّ مقابل شرائهم ورقة كرمة أو حبَّة عنب أو عنقود كاملاً فيلصقه الكاهن بالكرمة. وكانت تُحفر أسماء اليهود الذين كانوا يقدِّمون بسخاء على أوراق الكرمة الذهبيَّة. وكانت فكرة الكرمة رمزًا معروفًا في الأسفار المقدَّسة للأمَّة اليهوديَّة. فنراها مستخدمة في أكثر الأحيان كتشبيه لفكرة رئيسيَّة أراد الكاتب طرحها.

لأُنْشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ: كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ،

فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ، وَبَنَى بُرْجًا فِي وَسَطِهِ، وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضًا مِعْصَرَةً، فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا.

«وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي.

مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟ لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟

فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي: أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ.

وَأَجْعَلُهُ خَرَابًا لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ، فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأُوصِي الْغَيْمَ أَنْ لاَ يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَرًا».

إِنَّ كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ، وَغَرْسَ لَذَّتِهِ رِجَالُ يَهُوذَا. فَانْتَظَرَ حَقًّا فَإِذَا سَفْكُ دَمٍ، وَعَدْلاً فَإِذَا صُرَاخٌ.

أيّ نوع من الثمر كان الرب يتوقّع أن يرى حين كان ينظر في كرمه الممثَّل بالشعب في العهد القديم؟ وأيّ نوع من الثمر يتوقّع أن يرى في حياتنا اليوم؟

كان الربّ يسوع يقول من خلال إستشهادهبكلام إشعياء إنَّه كان ومايزال الكرَّام، وإنَّه زرع شعب إقتنائه في تلك الأرض ليكونوا شهادة لاسمه. وكان يتوقَّع أن يجد ثمرًا من عنب جيِّد يشير إلى العدل والبــرّ بعد كل ما فعله (إشعياء 7:5). إلاَّ أنَّ النتيجة كانت ثمرًا سيِّئًا (إشعياء 2:5). وعندما أظهر يسوع نفسه كالكرمة الحقيقيَّة، كان من دون أيّ شكّ يقارن نفسه مع تلك الكرمة الإصطناعيَّة التي كانت معلَّقة في الهيكل، مشيرًا إلى أنَّه إن قدَّم التلاميذ أنفسهم له بالدرجة التي كان الناس يقدِّمون الذهب للهيكل تأتي النتيجة ثمرًا روحيًّا بفيض. وقد أتى يسوع لكي يؤسِّس العهد الجديد الذي تمّ التنبّؤ عنه (إرمياء 31:31)، الأمر الذي كانوا سيفهمونه قريبًا. وكان قد أتى ليكون مصدر الحياة الأبديَّة لكلِّ الذين يأتون إليه ويصبحون واحدًا معه، تمامًا كما أنَّ الأغصان مرتبطة بجزع الكرمة الذي هو مصدر الحياة لها.

يسوع هو الكرمة الحقيقيَّة. وقد أتى الوقت للأمم ولليهود معًا أن "يُطعَّموا" في الكرمة الحقيقيَّة. وأراد يسوع أن يُظهر لهم حياة العهد الحقيقي، ونوع الثمر الذي تنتجه. وقد علم أنَّ كما أنَّه هو "واحد مع الآب"، هكذا فإنَّ الطريقة الوحيدة لكي يأتي أولاد الله بالثمر هو أن يكونوا واحدًا مع الله ويكونوا جزءًا من حياته.

الآب هو الكرَّام

تخيَّل أنَّك تعمل في كرم خلال فصل الزرع. ماذا يجب أن يكون الكرَّام يعمل في ذلك الوقت؟ وكيف يشبه هذا عمل الله في حياتنا؟

إنَّ العمل في الكرم خلال فصل الزرع هو عمل شاقّ جدًّا. فبخلاف باقي أشجار الفاكهة والمزروعات فإنَّ الإعتناء بالكرمة يتطلَّب عملاً شاقًا. ويقول يسوع هنا إنَّ الآب يعمل فيقطع بعض الأغصان وينقيّ بعضها الآخر (يوحنا 2:15). ويُترجم الفعل اليوناني airō في بعض الترجمات إلى "يقطع" وإلى "يُزال" في بعض الترجمات الأخرى. ويتساءل بعض الناس إن كانت هناك إمكانية خسارة خلاصهم إن لم يكونوا على المستوى المطلوب. لكن يقول يسوع إنَّ كلّ غصن فيه لا يأتي بثمر يقطعه:"كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ" (يوحنا 2:15). وربَّما تشير كلمة "ينزع" إلى يهوذا، لكنَّ يهوذا لم يكن يومًا مؤمنًا، بل كان إبنًا لإبليس بإمتياز (يوحنا 70:6). وهو لم يكن قط في المسيح، بينما الأغصان التي ينقيّها الآب هي في المسيح. وتحمل الكلمة اليونانيَّة airō المعنى الأساسي أن "يلتقط عن الأرض". ويشرح إتشاك سويندل في كتابه "إلقاء سويندل الضوء على العهد الجديد" قائلاً:

"إنَّ الفعل اليوناني airō المُترجم إلى كلمة "ينزع" يشير أساسًا إلى "الإلتقاط عن الأرض"، بالرغم من أنَّ الفعل ممكن أن يعني، وغالبًا ما يعني "أن يلتقط بهدف أن يحمل أو أن يضع في مكان معيَّن، أو أن يخطف"، ويستخدم يوحنا هذا الفعل بمعنييه "أن ينزع" (يوحنا 39:11، 48:11، 22:16، 15:17)، و"أن يلتقط" (8:5-12، 59:8). لذلك، يمكن أن يساند كلا التفسيرين، لكني أفضِّل "أن يلتقط" وذلك لسببين:

أوَّلاً، يقدِّم هذان العددان التشبيه بإختصار، ويذكران الإهتمام العام الذي يوليه الكرَّام في إهتمامه بالكرمة. فنادرًا ما نرى الكرَّامون يقطعون الأغصان خلال موسم النضوج، بل يستخدمون الحبال ومقص التنقيب. وهم يرفعون الأغصان الذابلة بإنتباه ويربطونها إلى"التعريشة" بعمليَّة تُعرف بــــِ "تدريب" تلك الأغصان. ثانيًا، يشدِّد يسوع على أهميَّة "التنقيب" حيث يُظهر يسوع إهتمام الآب خلال موسم النمو. وتُظهر عملية إزالة الأغصان الميتة بالتفصيل أهميتها في عمليَّة التنقيب.

إنَّ العناقيد الساقطة على الأرض معرَّضة لكلّ أنواع الحشرات، بالإضافة إلى إتِّساخها بالوحول عندما تهطل الأمطار. وإن كنَّا نوافق مع تشارلز سويندول فإنَّ هذا يشير إلى عناية الآب لنا وتدريبه إيَّانا بينما ننمو في المسيح. وما أكثر المرَّات التي حدثت في حياتي حيث شعرت بعناية الآب لي خلال الصعوبات التي كنت أمرّ بها.

بالرجوع إلى ذلك التشبيه، هل تتذكّر يومًا إنتشلك الرب فيه من الأرض ثم أعادك إلى المكان حيث كان بإمكانك أن تنمو؟

وتوجد أغصان أخرى في المسيح تهدف في أعماق قلوبها لإعطاء ثمر كثير، وذلك من خلال تقديم حياتها ذبيحة للمسيح. ويُخبر يسوع عن هذا الأمر في مثل الزارع:

وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ. (متى 8:13)

تتميَّز حياة الفرد الذي كرَّس نفسه للرب بأنَّه يعطي ثمرًا مئة ضعف. وعليك أن تنتبه لما تصلِّي من أجله! فعندما تصلِّي أن يستخدمك الرب في حقله، فهو يتوقَّع منك تكريسًا وتركيزًا أكبر في العمل في الكرمة. أذكر أنِّي قرأت أنَّ الواعظ الكبير د.ل. مودي كان قد كرَّس حياته للمسيح بعد أن كان قد سمع في أحد الإجتماعات الواعظ يقول:"سوف يشهد العالم ماذا سيفعل الله من خلال رجل يكرَّس حياته له بالكامل." وقد أثَّرت تلك العبارة على مودي، وفكَّر في نفسه قائلاً: "لقد ذكر كلمة ’رجل‘، ولم يقل أنَّ ذلك الرجل عظيم أو متعلِّم أو ثري، أو حكيم، أو بليغ، أو حذق، بل قال إنَّه مجرّد ’رجل‘. وأنا رجل، والأمر يتعلَّق بذلك الرجل ما إذا كان سيكرَّس نفسه بالكامل أم لا. وسأعمل ما بوسعي لأكون ذلك الرجل." . لقد رغب مودي أن تقدِّم حياته فرقًا بينما قصد أن يعطي حياته لله بتكريس وإلتزالم كاملين للعمل لربح النفوس للمسيح. وعلينا نحن أيضًا أن لا نستخفّ بموضوع تكريس نفوسنا للمسيح لأنَّ هذا يأتي مقابل ثمن معيَّن. وقد إختبر مودي صعوبات عدَّة في حياته. فبناء الكنيسة التي كان يخدم فيها إحترق بالكامل عند إشتعال الحريق الكبير في ولاية شيكاغو في العام 1871م، إلاَّ أنَّ ذلك لم يثبط عزيمته، بل إندفع بخدمة إمتدّ تأثيرها على مدى عدَّة عصور. إذًا، ستواجهنا الصعوبات عندما نكرِّس أنفسنا للخدمة، لكن تكون النتيجة ثمرًا كثيرًا من نفوس تُربَح للمسيح.

"وَابْتَدَأَ بُطْرُسُ يَقُولُ لَهُ:«هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ».

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ:لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ،

إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هذَا الزَّمَانِ، بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلاَدًا وَحُقُولاً، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ." (مرقس 28:10-30)

إنَّ نتيجة تكريس حياتنا للمسيح هي ثمر مضاعف، لكنَّه يعني أيضًا المرور باضطهادات تمامًا كما أشار يسوع في النصّ أعلاه. وكان قد بدأ عبارته قائلاً:"الحق الحق أقول لكم"، وكان هذا أسلوبه في التشديد على مضمون عباراته. وهو أراد أن يؤكِّد على أنَّ ما يقوله صحيح وهو وعد. فالله لا يترك نفسه مديونًا للإنسان. فكما وعد أنَّه سيُعطى لنا مئة ضعف في هذه الحياة إن كنَّا نتبعه، كذلك وعد أنَّ ذلك سيترافق مع إضطهادات. لكن ما يعزِّينا هو أنَّ الآب سيعمل من خلالنا، وينقِّينا لكي نأتي بثمر أكثر. أضف إلى أنَّه كلَّما وضعنا الله أوّلاً في حياتنا إستطاع أن يضيف قيمة على حياتنا. أقول هذا وأنا أفتكر بالأشخاص الذين تقابلت معهم وهم جزء من جسد المسيح. فنحن جميعًا عائلة واحدة في الربّ. ومن الجيِّد أن نفتكر حين تأتي الصعوبات بالبركات التي يقدِّمها لنا الربّ من خلال أصدقائنا وعائلتنا في المسيح. والربّ يسمح أن نمرّ بالصعوبات لأنَّها وحدها القادرة أن تُحدث التغيير في حياتنا لكي نأتي بالثمر الذي يتوقّعه الله منَّا.

ما هو الثمر الذي يتوقَّع الله أن يراه بعد التنقيب؟

ماذا كان يسوع يعني برأيك بكلامه عن الثمر في الأصحاحات 5، و8، و16، و15؟

إن كنت مؤمنًا بالمسيح، سيظهر الثمر في حياتك. فإن لم يكن هناك ثمر، ليست هناك جذور! وإن كنت متجذِّرًا في محبَّة الربّ يسوع المسيح حتى أعماق دواخلك (أفسس 17:3)، فلا بدَّ أن يظهر الثمر في حياتك. لماذا؟ لأنَّ النبع الذي هو الرب يسوع المسيح الذي يضخّ الحياة للكرمة يفيض في وجدانك الروحي، بينما الآب الأبدي الكرَّام يعمل فيك ومن خلالك لتنتج ثمرًا بسبب إتحادك مع المسيح.

يريد الله أن ينتج منّك نوعين من الثمر. فهناك ثمر الروح الذي هو:

"وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ

وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ." (غلاطية 22:5-23)

هذا هو نوع الثمر بالتحديد الذي قال إشعياء إنَّ الله يفتِّش عنه في كرمه (الشعب في القديم). فهو يفتِّش عن العدل والبــرّ اللذين ينبعان من حياة الذين يؤمنون بالله. وهو يُخرج منَّا خصائص داخليَّة إن كنَّا نتعاون مع الروح القدس. وغالبًا لا يمكننا رؤيته يعمل، بل نجد ذلك لاحقًا إذ ننظر إلى الماضي وقد مدَّنا بخصائص سامية مثل التواضع والبــرّ والمحبَّة والسلام، ألخ... فنرى حينئذ نتائج عمل مِقصّ التنقيب. وسنشعر بالإمتنان مدى الأبديَّة على عمل التنقيب الذي أحدثه الكرَّام في حياتنا.

ثمَّ سنرى الثمر في حياة الآخرين الذين أثّرنا بهم بسبب أعمالنا أو كلماتنا وبسبب ثمر الروح في حياتنا.

"ثُمَّ لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّنِي مِرَارًا كَثِيرَةً قَصَدْتُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ، لِيَكُونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ أَيْضًا كَمَا فِي سَائِرِ الأُمَمِ." (رومية13:1)

إنشغلت بين عامي 1991-1998 في خدمة زرع الكنائس في إنكلترا. وكان لي إمتياز رؤية حياة كثيرين تتغيَّر بسبب عمل الله في المدينة التي بدأت العمل فيها. وخلال السنوات الأخيرة، مرَّت الكنيسة في مخاض الولادة. وإذ أنظر للوراء أدرك الآن أنَّنا كنَّا نمرّ في حرب روحيَّة. وإنتشر الصراع بين أفراد الكنيسة، وشعرت أني لا أستطيع السيطرة على الوضع. أتمنى لو أني كنت أفهم وأعرف ما أعرفه الآن، إلاَّ أنَّ هذا هو أسلوب الله في تدريبنا. ولم يجدِ أي أمر تغيير الحال من صوم وصلاة ودعم قادة من كنائس أخرى. وأثَّر الجو المتشنِّج على عائلتي حتى أنَّ زوجتي مرَّت في أوضاع صحيَّة سيِّئة نتيجة الضغط الذي تعرَّضت له. وشعرت أخيرًا بعد الكثير من الصلاة وطلب المشورة من قادة مؤمنين حكماء أنَّه آن الأوان للتخلِّي عن منصب الراعي في الكنيسة التي ساعدت في زرعها من أجل زوجتي، إضافة إلى أنَّ ذلك كان إرشاد الربّ لي. وشعرت أنَّ الربّ سيستخدمني في مكان آخر، وأنَّه عليَّ أن أقدِّم إستقالتي. كان إتخاذ ذلك القرار صعبًا جدًّا بالنسبة لي. لكنَّه كان ينقِّب في حياتي لآتي بثمر أكثر. وإذ أنظر إلى الوراء أرى أنَّه لو أني تشبّثت بمنصبي ولم أسمح للربّ بأن يسير بي في عملية التنقيب المؤلمة، ما كنت سأصل إلى خدمتي المثمرة في الكتابة الآن. فالكلمات المكتوبة ممكن أن تؤثِّر أكثر وتدرّب عددًا أكبر من تقديم العظات في كنيسة. لكن لم أستطع خلال وقت التجربة أن أرى البركات. فأحيانًا، كلّ ما علينا فعله هو وضع ثقتنا في سكين الآب المنقِّبة.

تبدو الطريقة التي يعمل بها الآب في التنقيب قاسية جدًّا بالنسبة لنا، خاصَّة عندما نكون نحن تحت وطأة السكيّن. وقد إكتشفت أنَّ الربّ يكافىء تكريسنا بأمانته. فإن كنت مستعدًّا أن تعمل معه في كرمه ستكون شريكًا بالحياة التي تقدِّمها الكرمة الحقيقيَّة، وستحمل ثمرًا كشهادة ليسوع. وسيغيّرنا الربّ إبتداءً من الداخل إلى الخارج بينما نطيعه. وحتَّى حين نواجه التجارب والمشاكل فإنَّنا نختبر وجود الله قربنا لمساعدتنا على تخطِّيها. ونحن نعلم أنَّنا وكلاء وسفراء له، وهو يستخدمنا، كما أنَّ يديه تحفظنا.

تستخدم الخطوط الجويَّة الأميريكيَّة مجسَّمًا إصطناعيَّا لتدريب الطيَّارين المتمرنين. ويتمّ تجهيز هذا المجسّم بطريقة يقدِّم بها للتلميذ الطيَّار كل المشاكل التي يمكن أن تواجهه في المستقبل حتى يتمكَّن معالجة كل الطوارىء التي يُمكن أن تواجهه. ويتم إختبار الطيَّار أوَّلاً بواسطة تحدِّيات بسيطة ثم تكبر لتصبح تحديات مميتة. ولا يتم إختبار الطيَّار بمشاكل أصعب إلاَّ بعد أن يُتقن المشاكل الأخفّ. ويصبح الطيَّارون بعد إكمال الدورات مهيَّئين للتعامل مع أيَّة مشكلة ممكن أن تواجههم. ويشبه الأمر أسلوب الله في التعامل معنا. فالله يعلِّمنا كيف نتعامل مع مشاكل الحياة، وهو لا يعطينا أكثر ممَّا نستطيع أن نحتمل. وهو يعلِّمنا خلال كلّ مرحلة كي نصبح جاهزين بالكامل وناضجين ومستعدِّين لمعالجة تحدِّيات الحياة التي تواجهنا.

إثبتوا فيَّ

ماذا يعني الربّ يقوله أكثر من مرَّة في الأعداد 4-7 أنَّه يجب أن نثبت في الكرمة؟

"إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ." (يوحنا 15:7)

"إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَفِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُفِي مَحَبَّتِهِ." (يوحنا 10:15)

ولا يساعد في النمو في علاقتنا مع الربّ سوى التعلّم والإستماع إلى كلمته وطاعتها على الثبات في المسيح. فتتدفّق من خلالنا حياة المسيح ونأتي بثمر. ونمو العلاقة الحميمة مع المسيح أمر متعمَّد فيجب علينا العمل على ذلك، تمامًا كما نعمل على نمو سائر علاقاتنا. فأنت لا تتوقَّع أن تكون مقرَّبًا من أحدهم بمجرّد أن تعرف عنه بعض الأمور. فالعلاقة الحميمة تتطوَّر بينما تعمل بصدق وبشفافيَّة مع الآخر، وتستمع إلى ما يقوله، بينما هو بدوره يشارك مكنونات قلبه معك. وهكذا يجب أن نعمل بقصد على تطوير علاقتنا بالربّ، كمَّا علَّمنا هو أن نفعل بينما كان على الأرض. فهو خصَّص وقتًا يقضيه مع أبيه. وحتى عندما تجمهر الناس من حوله، وكانت حاجات الناس كثيرة، علم أنَّه من المهمّ أن يحافظ على رابط مقرّب من أبيه ويختلي به بإستمرار.

"إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ." (يوحنا 10:15). لكي نحفظ وصاياه علينا أن نثبِّت كلماته في قلوبنا. وقد قال يسوع أيضًا لتلاميذه أنَّ الروح القدس سيذكِّرهم بالكلام الذي تكلِّم به هو. كذلك، فإنَّنا نملك بين أيدينا كلمته المكتوبة. وكلَّما تأمَّلنا بكلامه أعطينا الروح القدس مجالاً أوسع لينير كلامه لنا أكثر.

هل تتَّبع عادات وتقاليد تساعدك على تطوير علاقتك وإتحادك مع المسيح؟ هل تخصِّص وقتًا لقراءة الكتاب المقدَّس والتأمل به والصلاة؟ شارك أيَّة نصائح عمليَّة ومشجعة أضافت قوَّة للوقت الذي تصرفه مع الربّ.

"إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ." (رومية 10:17). يقول بولس في هذه العبارة أنَّ المفتاح لتطوير العلاقة مع الله هو الإستماع للروح القدس الذي يتكلَّم لقلوبنا من خلال كلمة الله.

إليك أربعة أمور تساعدك على السماح للروح القدس أن يسيطر ويملك أكثر على حياتك:

1. إزرع كلمة الله في قلبك بعمق من خلال قراءتها والتأمّل بها. وهذا الأمر يتطلَّب مجهودًا من قِبَلِك.

2. كن منفتحًا للروح القدس وإسمح له أن ينير كلمته لك. والإنارة هي عمل الروح القدس. إجمع تأمّلك مع الصلاة.

3. كن طائعًا للأفكار والإنطباعات التي سيعيطك إياها الروح القدس، وكن طائعًا أيضًا لتعاليم الكتاب المقدَّس الواضحة.

4. سيمجِّد الربّ إسمه من خلالك إذ تكرِّس ذاتك له ولملكوته وتتمتَّع بمحبَّته. وهو سيعمل فيك ومن خلالك. إنّه الخالق وهو يتمِّم عمله الخلاَّق من خلالك إذ تتعاون معه. إنَّ هذا هو الجزء الذي يقوم به هو! وهو سيمجِّد ذاته من خلالك.

صلاة: أيّها الآب، نصلِّي أن يفيض الرب يسوع الذي هو الكرمة الحقيقية في حياتنا ومن خلالنا لمجد إسمك. هبنا الحساسيَّة لسماع صوتك وطاعته. آمين!

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com olHHhWw w