3. The Lord who sees inside

الرب الذي يرى الداخل

3. الرب الذي يرى الداخل

يوحنا 35:1-51

ترعرعت في بلدية هارويتش التي تقع على مرفأ على الساحل الجنوبي الشرقي لبريطانية، حيث كان لجميع السكان لقب معيّن. فكان هناك مثلاً ليني اللاحس، الأبيض، الأسفل،الأحدب، الطائر، القاطع، وما إلى هناك من ألقاب ظريفة. وكان معظمنا لا يعرف الإسم الحقيقي لهؤلاء، فلقد لصقت بهم الألقاب التي أُعطيت لهم. كثيرًا ما يحدث هذا الأمر في إنكلترا؛ فإمّا أن يُلقّب الإنسان بجزء من اسمه أو بسبب عادة يقوم بها أو عادة تلتصق به. فمثلاً، ليني اللاحس كان نادرًا ما يستحم وكان عمله في تنظيف أمعاء السمك. والأحدب لُقِّب كذلك بسبب الحدبة في ظهره. والقاطع لُقِّب كذلك لأنه قتل زوجته بواسطة السكّين بعد أن رآها مع رجل آخر، ولم نكن ندعوه بهذا الإسم مباشرة إلاّ أنّ الجميع لقّبه به. ومن الممتع أنّه كان رجلاً محبوبًا جدًّا ولطيفًا. وكانت الألقاب تُستخدم طوال الوقت. وإن كنت لا تعرف لقبك فهذا لا يعني أنّك لا تمتلك واحدًا وإنما على الأرجح أنك لا تعرف ما هو. لا أعلم ما كان لقبي، وأفضّل أللا أفكر بالأمر.

لا أظن أنّ المثل التالي صحيح: "الحجارة والعظام ممكن أن تكسر عظامي، لكن الأسماء لا تؤذيني". فالأسماء التي تُطلق علينا تؤثّر في نظرتنا لأنفسنا؛ إذ يمكن أن يقيّدونا إلى اعتبارات خاطئة ويؤثّرون على نظرتنا لأنفسنا. ومن الصعب التحرّر من كيف ينظر الناس إلينا. أذكر أني كنت ما أزال في الصف الثانوي الأوّل   

 وكنت ماشيًا في الممر حين التقيت بصبيان أكبر منّي سنّا فصرخ أحدهم:"انظروا، هذا هربرت!" (وكان معروفًا أن هربرت هو أبشع صبي في كل المدرسة؛ وكانت تلك مدرسة كبيرة تضم أكثر من ألف طالب). لا أعرف إن كانت قصّة شعري أو نظاراتي التي جعلته يدعوني كذلك، لكن أثّر الأمر فيّ بشدّة. ومنذ ذلك الوقت بدأت أعاني بضعف بالثقة بنفسي. كم تؤثّر بنا الأسماء ونظرة الناس إلينا.

تعرّفت على المسيح في سن الثالثة والعشرين وظننت أنّه لا بد أن يكون لي لقب متواضع يرافقني بعد قراري بأن أتبع المسيح وبعد أن تغيّرت حياتي.

في زمن كتابة الكتاب المقدّس كانت الأسماء تُطلق لتعبّر عن أمور تحدث. فمثلاً، عندما توفي عالي الكاهن وولداه في الوقت ذاته سُمِّي حفيده الذي وُلِد حينها إخيبود ما يعني زال المجد (1صموئيل21:4). كيف يكون شعورك بأن تكبر حاملاً إسم كهذا؟ وكان هناك رجل عامل داود بطريقة فظّة وكان يُدعى نابال أي أحمق. كيف حصل على اسم كهذا؟ كيف يمكن لأمٍّ أن تسمّي ولدها هذا الإسم؟  أيمكنك أن تسمّي ابنك "أحمق"؟ هل كان ذلك لقبًا؟ ونقرأ أن شخصيته واسمه انسجما تمامًا (1صموئيل25:25).

أحيانًا، يقول الناس الذي يؤثّرون في حياتنا أمورًا تؤثّر على نظرتنا لأنفسنا. وكثيرًا ما تكلّم الأهل والمعلّمون كلمات قاسية بقيت تؤثّر في حياة الناس حتى بعدما كبروا. وكلّما كان تأثيرهم أكبر، كلّما لصقت الكلمات في نفس ذلك الولد. ممكن أن تكون كالتالي: "لن تحقّق أي أمر!" "لن تحصل على عمل محترم!" "إنك تفشل دائمًا!" "يا لك من فاشل!" لا بدّ أن عبارات كتلك أثّرت بنا في الماضي، لكن يمكننا أن نتحرّر بعد أن وضعنا حياتنا في يد السيّد المسيح فيشكّلنا الله لنشابهه. ولا نعود ننظر لنفوسنا بطريقة جديدة، بل علينا أن نختار كيف ننظر للآخرين. وقد كتب بولس الرسول عن هذا الأمر التالي:

        إِذًا نَحْنُ مِنَ الآنَ لاَ نَعْرِفُ أَحَدًا حَسَبَ الْجَسَدِ. وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لكِنِ الآنَ لاَ نَعْرِفُهُ بَعْدُ. إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا. (2كورنثوس16:5-17)

         

ماذا يعني بذلك؟ عندما نرى أصدقاء لنا أو أقارب يأتون للمسيح لا يجب علينا أن ننظر لهم بنفس المنظار كما كانوا سابقًا، بل علينا أن ننظر لهم من خلال عدسة جديدة. إنهم الآن تحت رعاية سيّد جديد، وكل شيء مستطاع! الحياة القديمة قد مضت والجديد آتٍ.

 

اليوم سنتعلّم عن تغيير اسم سمعان لبطرس الذي يعني صخرة صغيرة، وكيف بعمل صغير كتغيير اسم بدأ يسوع بتغيير شخصية بطرس.

 

سؤال للمناقشة: إذا أُعطيت الحرّية بتغيير اسمك، هل تفعل ذلك؟ أي اسم تختار ولماذا؟

تلاميذ يسوع الأوّلون

 

        وَفِي الْغَدِ أَيْضًا كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ وَاثْنَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ،

        فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا، فَقَالَ:«هُوَذَا حَمَلُ اللهِ!».

        فَسَمِعَهُ التِّلْمِيذَانِ يَتَكَلَّمُ، فَتَبِعَا يَسُوعَ.

        فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ، فَقَالَ لَهُمَا:«مَاذَا تَطْلُبَانِ؟» فَقَالاَ:«رَبِّي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَيْنَ تَمْكُثُ؟»

        فَقَالَ لَهُمَا:«تَعَالَيَا وَانْظُرَا». فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ، وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ.

        كَانَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَاحِدًا مِنَ الاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمِعَا يُوحَنَّا وَتَبِعَاهُ.

        هذَا وَجَدَ أَوَّلاً أَخَاهُ سِمْعَانَ، فَقَالَ لَهُ:«قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ:الْمَسِيحُ.

        فَجَاءَ بِهِ إِلَى يَسُوعَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُونَا. أَنْتَ تُدْعَى صَفَا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: بُطْرُسُ. (يوحنا 35:1-42).

وقبل أن نناقش تغيير اسم بطرس، دعونا نلقي نظرة على كيفية اللقاء بين يسوع وبطرس. نقرأ أنّ تلميذين ليوحنا المعمدان سمعاه يقول عن يسوع بينما كان مارٍّا إنّه حمل الله. كان يوحنا قد وصل إلى نهاية خدمته بعدما وجّه الناس للتوبة وهيّئ قلوبهم لإستقبال المسيّا. قد أتى الوقت لكي يقبل الناس المسيح النور الحقيقي للعالم. وقد سعى يوحنا دائمًا ليختقي هو ويلفت أنظار الناس لمجيء المسيح. فالخادم الصالح يسعى دائمًا وراء مصلحة سيّده وليس مصلحته هو. من هما هؤلاء التلميذين؟ يخبرنا الرسول يوحنا أنّ أحدهما كان إندراوس (ع40)، لكن لا يذكر اسم التلميذ الآخر. ويظنّ معظم الناس وأنا أيضًا أنه كان يوحنا البشير نفسه الذي تبع يسوع مع إندراوس وإلا فكيف عرف أنّها كانت الساعة العاشرة من النهار(الرابعة بعد الظهر) عندما تركا (ع39)؟ فعادة لا يذكر يوحنا اسمه في الإنجيل. وبدل من استخدام اسمه، أشار لنفسه بِ "التلميذ الذي كان يسوع يحبّه." (يوحنا23:13؛26:19؛2:20؛7:21؛20:21).

كيف تنظر لمحبّة الله لك شخصيًّا؟ هل تشعر بالأمان من ناحية محبّة الله لك؟ ماذا تعتقد يجب أن يحدث لتشعر بأمان محبّة الله؟

من الواضح أنّ يوحنّا كان متعمِّقًا في مسيره مع الله، وكان واثقًا وشاعرًا بالأمان من ناحية محبّة الله له. فبإمكان المرء أن يحتمل أيّة تجربة عندما يعلم أنّه محبوب جدًّا من قِبل الله.

وعندما نقرأ أنهما تبعا يسوع (ع37) فهذا لا يعني أنهما كانا تلميذيه بل أنهما تبعاه حرفيًّا. فكان يسيران معه بأمل الحصول على وقت شخصي معه؛ إذ كانا يتساءلان من هو هذا الرجل يسوع. لم يكونا يعرفاه، لم يلتقياه من قبل وكل ما عرفاه عنه هو أنّ يوحنا المعمدان دعاه بحمل الله. عندما يتساءل المرء عن المسيح هذا يعني أنّ روحه عطشى ومحتاجة. قال يسوع: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ."(يوحنا44:6). عندما توجد الرغبة في معرفة المسيح، فهذه علامة جيّدة بأنّ الآب يعمل على جذب ذلك الإنسان للمسيح. ولاحظ أنّه عندما انتبه يسوع لإتباع ذلك الرجلين له، التفت وسألهما ماذا يريدان. كان عالمـــًا بجوعهما وأراد أن يشبعهما. يعجبني كثيرًا أنّ الرب لديه الوقت للناس. كان بإستطاعته أن يكمل سيره بحجّة أنّه يريد مسافته الشخصية، أو وقتًا ليصلِّي، لكّنه فرّغ وقتًا للعطشى لمعرفة الله.

هل كنت يومًا تتبع الرب من بعيد؟ كيف دعاك يسوع للداخل؟ هل كنت متشوّقًا للمعرفة أكثر عن الله؟

إتباع المسيح ليس كافيًا. ويجب علينا أن نتبعه بدوافع صحيحة، ونخسر حياتنا لكي نتبعه.

"من لا يحمل صليبه ويتبعني لن يكون لي تلميذًا." لوقا14:17

 

تذكّر أنّ البعض تبعه لأسباب سياسية آملين أن يقوم بثورة ضدّ الإحتلال الروماني. وكان للبعض كيهوذا دوافع مختلطة لإتباعه مثل سرقة أموال الصندوق (يوحنا6:12). أرى أن يسوع دعى اللذين كانا يتبعانه لكي يعبّرا ماذا يدور في قلوبها بأن سألهما: "ماذا تريدان؟" (ع 38).

 

دعونا نصيغ السؤال بطريقة شخصية. إن وجّه السؤال لك:"ماذا تريد؟" ماذا عساك تجيب؟ ماذا تريد منه؟

كان جوابهما: "أين تمكث؟" وكأنهما أرادا أن يسألاه: "هل يمكننا أن نرافقك ونتعرّف عليك؟" يا له من اختبار رائع بأن نجلس مع المسيح ونزوره حيث يسكن. يا له من تواضع بأن يرحّب بهما المسيح في منزله ويتمتّع بالشركة مع صيّادي سمك. ولم يستطع إندراوس أن يتمالك نفسه بل قبل كل شيء ذهب ليفتّش عن أخيه سمعان، وأخبره قائلاً:"لقد وجدنا المسيّا." من الواضح أنّ إندراوس ويوحنا كانا في مهمة هدفها إيجاد المسيح. من يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له (متى7:7). نقرأ أنّه عندما وقف بطرس قدّام الرب:"فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُونَا. أَنْتَ تُدْعَى صَفَا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: بُطْرُسُ." والكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي emblepein أي أن يحدّق بقوّة. إنّها نظرة ابن الإنسان الثاقبة الذي باستطاعته النظر إلى أعماق قلب الإنسان ورؤية كل ما هو عليه وماذا فعل (يوحنا39:4). وبعض الخصائص التي رآها في بطرس بالرغم من عدم اكتمالها كانت الشخصية والالتزام والإيمان. فالرب يستطيع أن يرى المزايا الداخلية للقائد القويّ كبطرس، لكنه بإمكانه رؤية الجانب المتقلقل والضعيف من قلبه أيضًا. لكن بالرغم من هذا كلّه، اختاره.

أُرسل في القديم النبي صموئيل لبيت يسّى في بيت لحم لكي يمسح ملكًا جديدًا لإسرائيل. قدّم له يسّى أولاده فأُخِذ صموئيل بمظهر أليآب وحجمه وقوّته، وظنّ أنّ هذا هو الشاب الذي سوف يمسحه. لكن الله رأى الأمور من منظار مختلف:

          وَكَانَ لَمَّا جَاءُوا أَنَّهُ رَأَى أَلِيآبَ، فَقَالَ: «إِنَّ أَمَامَ الرَّبِّ مَسِيحَهُ».

          فَقَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: «لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الإِنْسَانُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ». (1صموئيل6:16-7).

 

بعدما مرّ كل أولاد يسّى أمام صموئيل دُعي داود بينما كان يرعى الأغنام ومُسِح ملكًا جديدًا.

 

سؤال للتفكير الشخصي: ما هي الخصال الشخصية التي تفرح بأن يراها ابن الله فيك بنظرته الثاقبة؟

عندما ينظر الله إلى الإنسان، فإنه لا يرى ما هو عليه الآن بل ماذا سيصبح في المستقبل. وهو الوحيد القادر أن يشكّل حياتنا كما الفخاري للطين ليعمل منّا ما يريد هو. وإطلاق اسم جديد لبطرس كان بمثاباة تذكير بالرجل الذي سيصبح عليه؛ صخرة وليس سمعان المتقلقل أو المتسرّع الذي كان يتكلّم قبل أن يفكّر. وتشير الأناجيل لعدّة أحداث ساعدت في تشكيل بطرس إلى الرجل الذي يتناسب مع اسمه. ولم يكن تغييرًا سهلاً، بل استهلك وقتًا وتضمّن دروسًا تعلّمها بطرس. وفي العشاء الأخير، نشبت مشادة بين التلاميذ عن من هو الأعظم، التفت يسوع إلى بطرس (لأنّه كان سبب الخلاف على الأرجح) ودعاه باسمه القديم قبل أن يلتقيه وكأنّه يوبّخه بلطف لأنّه رجع إلى طرقه السابقة وأسلوبه القديم. "وَقَالَ الرَّبُّ:«سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ».(لوقا31:22-32). وأظهر جواب بطرس بأنّه ظنّ بأنّ لديه القوّة الداخلية لكي ينجح بأي امتحان بتفوّق. لن ينكر سيّده البتّة! وحلّ الإمتحان الأخير بينما كان يتبع سيّده في الليلة التي أنكره بها.  وكان واثقًا بأنّه لن يترك سيّده، لكنه تحت الضغط أنكر ثلاثة مرّات أنّه يعرف الرب. وفي بيت رئيس الكهنة أخذ يشتم ويلعن ليخفي حقيقة كونه تلميذًا له (مرقس71:14). سمح الرب بذلك على الأرجح لكي يُري مكانة بطرس الروحية. كان قلبه بحاجة للإنكسار وإعادة خلق في قالب الفخّاري ربّنا. لقد احتاج بطرس بأن يتوب ويترك أسلوب حياة سمعان ليصير أخيرًا الصخرة التي كان الله يصنعها. وإعطائه اسم بطرس كان أكبر تذكيرٍ له كيف ينظر الله لداخل روحه.

يخبر تومي لاسوردا المدير السابق لفريق  Los Angeles Dodgers قصّة لاعب شاب ضعيف البنية كان قد انضم حديثًا إلى الفريق. كان خجولا، لكّنه كان لاعبًّا ذا قدرات مميّزة. وكان لاسوردا متأكّدًا أنّه كان لذلك اللاعب المقدرة بأن يصبح الأعظم من بين كل اللاعبين. لكن يقول لاسوردا بأن ما احتاجه ذلك الشاب كان بأن يصبح أكثر حزمًا وتنافسًا واحتاج بأن يتخلّى عن خجله. فأطلق عليه لقبًا منافيًا لشخصيته: "كلب البلدغ". وهكذا أصبح أوريل هيرشاير خلال السنوات أعند وأقوى لاعب انخرط في أهم البطولات. وأصبح اللقب المنبّه الدائم لما يجب أن يكون عليه. ولم يمر وقت طويل حتى شكّل هذا اللقب شخصيته.[1]

 ما هو السبب المنطقي لسماح الله بأن يختبر بطرس انكسار القلب هذا الذي مرّ به عندما أنكر المسيح؟

 

الحقيقة الروحيّة هي أننا ننتج ما نحن عليه. وقد قدّم يسوع مثل الشجرة على النحو التالي:

        «اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ!

        مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟

        هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً." (متى15:7-17).

 عندما نكرّس حياتنا لإتباع المسيح فنحن نوافق على أن نتغيّر لنشابه المسيح إن كنا نعي ذلك أم لا. ولا يمكنك أن تقود الناس إلى مكان لم تصل إليه أنت. وقد طلب منّا يسوع أن ننزع الخشبة التي في أعيينا لنستطيع أن نرى القذى الذي في أعين الآخرين (متى4:7-5). وكلّما تشكّلت طبيعة المسيح فينا، استطعنا عندئذ أن نساعد الآخرين على اكتساب شخصية المسيح. لسنا نحن الذين نقوم بالعمل بل روح الله الذي يستخدم القائد المثال الذي يقدّم نفسه للآخرين. وقد وضع يسوع الأمر على هذا النحو:

        "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ.

        كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ."(يوحنا1:15-2) (نجد هذه الفكرة في لوقا7:13-9 بالإضافة إلى أنّه ينقب حولها).

كيف ينطبق علينا مثل تنقية الغصن؟ ماذا يقول لنا الرب؟

هل مررت باختبار كسرك؟ ماذا استخدم الله ليشكّلك؟ 

كمثالٍ عن حياة متغيّرة ومثمرة، دعونا نلقي نظرة على الإرث الذي تركه جوناثان ادواردز المبشّر التقيّ وصانع النهضات المشهور في القرن الثامن عشر. لاحظ كيف أنّ الله استخدم حياة واحدة ليؤثّر في حياة كثيرين.

كان والد جوناثان ادواردز قسيسًا وكانت والدته ابنة رجل دين. وقد مرّ في سلالتهما أربعة عشرة رئيس كلّية وأكثر من مائة استاذ جامعة وأكثر من مئة محامٍ، وثلاثون قاضٍ، وستّون طبيبًا، وحوالي ستّون مؤلّفًا. ونادرًا ما تجد أية صناعة أميركية لا يد فيها لأي من أفراد أسرته. هذا هو نتاج عائلة أميركية مسيحية واحدة تربّى أفرادها في ظروف جيّدة. ونجد التناقض في عائلة جوكز التي لم تستهويها الدراسة ولا العمل، ويُقال إنّها كلّفت ولاية نيويورك مليون دولارًا. وتاريخا حافل بالشحّادين والمجرمين والمجانين. فمن الألف والمائتين متحدّر كان ثلاثماية وعشرة منهم شحّادين متمرّسين، وأربعة مائة وأربعون متضرّرون جسديًا بسبب شرّهم، وستون لصوصًا دائمين، وخمسون ضحايا عدم النزاهة. وقد تعلّم فقط اثنتي عشر عضوًا منهم مهنة ما (تعلمها عشرة منهم في السجن). وأنتجت هذه العائلة المشهورة بشرّها سبعة مجرمين.[2]

إنك تنتج ما هو أنت عليه. كان جون ويمبر مستشارًا لكيفية نمو الكنيسة قبل أن يصبح راعي كنيسة "فينيرد كريستشين فلوشيب" في أناهيم، كاليفورنيا. وكان في يوم من الأيام يعلّم مجموعة من القساوسة على كيفية إنماء كنائسهم عندما وقف أحدهم وقال مقاطعًا بامتعاض:"أنا أعرف كل ما تقوله. أخبرني فقط كيف أزيد عدد الناس في كنيستي." كان جون لطيفًا معه في البداية، لكن عندما قاطعه مرّة ثانية وردّد الكلام نفسه، خطرت في بال جون فكرة قوّية وممتلئة حكمة. نظر إليه مباشرة وسأله:"كم عدد الأشخاص الذين هم مثلك تود أن تزيد على كنيستك؟" توقّف الرجل مصعوقًا بهذه الفكرة ثم قال:"لا أريد المزيد منّي بل أريدهم أن يكونوا مثل يسوع!" ببساطة، لا يمكنك أن تأخذ الناس أبعد مما أنت عليه. فالقادة ينتجون أناسًا مثلهم. شجرة التفاح تثمر تفّاحًا، وشجرة الإجاص تثمر إجاصًا. والخراف تلد خرافًا. والمؤمنون ينتجون مؤمنين. فنحن ننتج ما نحن عليه.

يعمل الله لكي يشكّل الإنسان الذي يود استخدامه. ونجد في درسنا اليوم أنّه غيّر حياة بطرس ليصبح الإناء المكسور الذي شكّله المسيح. وبطرس هو الذي وعظ في يوم الخمسين ورأى ثلاثة ألف يأتون إلى المسيح، وهو الذي فتح الباب للأمم (غير اليهود) ليخلصوا أيضًا (أعمال الرسل34:10-35). لا يسعنا جميعنا أن نكون كبطرس، فلدى الرب يسوع هدف وخطة فريدان لكل واحد منّا لنأتي بالآخرين للمسيح خلال حياتنا. وليس الكل مدعوّين ليكونوا مبشّرين إذ لكل منا مواهب مختلفة تساعد في بناء جسد المسيح. ونحن ننتج من الذين يتبعونا ما نحن عليه إذ القادة هم مثال للتابعين. وقد فهم بولس هذا الأمر إذ كتب:"كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، وَلاَحِظُوا الَّذِينَ يَسِيرُونَ هكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ." (فليبي17:3).

نظر يسوع إلى قلب بطرس وبدأ عملية تغيير قلبه بتغيير اسمه. دعونا الآن نلقي نظرة على المقطع التالي من إنجيل يوحنا:

يسوع يدعو فيليبّس ونثانئيل

        فِي الْغَدِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ:«اتْبَعْنِي».

        وَكَانَ فِيلُبُّسُ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ.

        فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ:«وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ». فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ:«أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ:«تَعَالَ وَانْظُرْ». وَرَأَى يَسُوعُ نَثَنَائِيلَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ عَنْهُ:«هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ». قَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ:«مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ».

        أَجَابَ  نَثَنَائِيلُ وَقَالَ لَهُ:«يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!»

        أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«هَلْ آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ التِّينَةِ؟ سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هذَا!» وَقَالَ لَهُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ».(يوحنا43:1-51)

 

        الأمر الأوّل الذي أراه في هذا النص هو أن فيليبّس لم يفتّش على يسوع، بل يسوع أتى إليه!

هل شعرت يومًا أنّ الله يلحق بك ويسبّب أمورًا في حياتك لأنّه يريد أن يطالك أينما كنت؟ شاركوا مع بعضكم البعض ماذ فعل الله.

برأيك، ماذا شعر فيليبّس عندما لاحظ أن هذا هو المسيّا وقد أتى شخصيًّا يفتّش عليه؟

 

إلهنا هو الراعي الصالح الذي يترك التسعة والتسعين خروفًا ليفتّش على كل واحد منا. هذا الإله الذي خلق الملايين من النجوم لديه الوقت لكل واحد منا! أليس هذا أمرًا رائعًا؟ إنّه يراقب ويهتم بكل واحد منا. وهو يعلم أين نكون في كل لحظة من اليوم.

          يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي.

          أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ.

          مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ.

          لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا.

          مِنْ خَلْفٍ وَمِنْ قُدَّامٍ حَاصَرْتَنِي، وَجَعَلْتَ عَلَيَّ يَدَكَ.

          عَجِيبَةٌ هذِهِ الْمَعْرِفَةُ، فَوْقِي ارْتَفَعَتْ، لاَ أَسْتَطِيعُهَا.

          أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟

          إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ.

          إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ،

          فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ. (مزمور1:139-10)

إن الحياة مع المسيح أثمن من العالم، ولا شيء يقارن مع الإتحاد مع المسيح. هذا هو الغنى الذي يبقى إلى الأبد (لوقا11:6). ومن الطبيعي أن نريد مشاركة ذلك مع الآخرين. لم يستطع فيليبس أن يتمالك نفسه، بل أراد أن يجد نثنائيل ويخبره. ماذا كانت ردة فعل نثنائيل الأوّلية؟ الإحتقار والسخرية! لكن أمرا ما في تعابير وجه فيليبس وفرحه جذب قلب نثانئيل. كان هناك أمر مختلف في فيليبس الذي لا بد سحره. وكل ما طلب منه فيليبس هو أن يذهب ويقابل يسوع. كانت الناصرة قريبة من قانا بلدة نثانئيل وربما علم ببعض ما يجري هناك في ذلك الوقت، لكن فيليبس حثه بأن «تَعَالَ وَانْظُرْ». أتمنى لو كان يسوع موجودًا في الجسد فيما بيننا لنقدِّمه للآخرين اليوم! ألن يكون الأمر أسهل للوصول إلى أصدقائنا وأحبائنا؟ «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟». هذه كانت شهادة المرأة السامرية. آه لو كنت أستطيع أن أدع أصدقائي يتقابلون مع يسوع. لكن إلى أن يأتي، علينا أنا وأنتم أن نمثّله. حتى عندما كان نثانئيل يتقدّم من يسوع، ثقب الرب نظره في قلبه وقال له ما رأى تمامًا: «هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ».(ع47) قَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ:«مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ»(ع48).

آمن نثنائيل وتغيّر في تلك اللحظة بسبب تلك الكلمات. كيف يمكن لمشكِّك مثله أن يغيّر معتقداته من جرّاء مقابلة واحدة؟ نرى هنا يسوع مرّة ثانية يلمس قلب أحدهم ببضع كلمات. رأى نثانئيل ونظر إلى داخل قلبه كما فعل مع بطرس. وقد غيّرت هذه المقابلة حياته منذ تلك اللحظة.

لا نعلم بالتحديد، لكن يبدو أنّه كان ليسوع ما يمكن أن ندعوه "كلمة المعرفة"؛ أو طرأت في ذهنه. ربما كان أمرًا قاله نثنائيل كسؤال أم عبارة قالها لله والتي يفهمها الله وحده. ربما يمر في مرحلة احباط حين جلس تحت التينة وطلب من الله أن يظهر له ذاته. إنّ الله بحاجة فقط لقلب ليّن ليظهر ذاته لأحدهم فيقلب حياته رأسًا على عقب. ويفعل الله ذلك كل الوقت؛ فهذا سهل بالنسبة له. نرى حوادث عديدة كهذه في الكتاب المقدّس وهي تحدث في أيامنا هذه أيضًا.

هل أنت جائع لكي تعرف الله أكثر؟ هل تثق بأنك محبوب من قبل الله كالرسول يوحنا؟ إنّه يرى كل ما في الداخل إن كان صالحًا أم سيئًا، لكنه يظل يحبك محبة أبدية. ووعده يقول بأنّه سيلاقيك أينما تكون إن كنت تفتّش عليه. صلِّ هذه الصلاة البسيطة:

 

 أيها الرب يسوع، تعال إلى قلبي وغيّرني. إني تعب من حياتي الفارغة من دونك. إني أتخلّى عن خطاياي وأنانيتي. سامحني عن كل خطاياي ودعني أدخل إلى بيتك. أظهر لي محبتك العظيمة من نحوي. آمين.

 

 

Pastor Keith Thomas.

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com

 

 

[1]Told by John MacArthur in his book, Twelve Ordinary Men, published by W Publishing Group, Page 34.

[2] As told by J. Oswald Sanders in the book Spiritual Clinic, published by Moody Press, 1958.