29. The Promised Holy Spirit

الروح القدس الموعود

سؤال للمناقشة: هل يمكنك تذكّر وعد قدِّم لك حين كنت ولدًا صغيرًا وإن حصلت عليه أم لم تحصل عليه؟ كيف كان شعورك حينها؟

سؤال آخر للمناقشة: شارك عن معلِّمة أو أستاذ أثَّر بك جدًّا إمَّا من الناحية الإيجابيَّة أو من الناحية السلبيَّة.

أذكر أنَّه حين كنت في عمر الثامنة أو التاسعة قرَّرت أن أشتري مصباحًا أضعه قرب السرير. وكان على شكل سفينة كالتي سافر كريستوفر كولومبوس على متنها في رحلته إلى إكتشاف أميركا. وكانت أشرعتها تضيء بشكل جميل جدًّا عندما توصلها بالكهرباء. وأردت الحصول عليها جدًّا حتى أني رجوت زوجة أبي أن تشتريها لي. وما أذكره هو أنها وعدتني أن أحصل عليه في عيد ميلادي. وكنت أترقّب ذلك بفارغ الصبر، لكن خاب ظني عندما لم أحصل على المصباح الذي ظننت أني سأحصل عليه. تذكير للأهل: لا تقدِّموا لأولادكم وعدًا لا يمكنكم الوفاء به أو لا تريدون الوفاء به. وإنِّي أذكر بكلِّ وضوح الشعور الذي إنتابني حين لم أحصل على المصباح. وسنتعلَّم اليوم عن وعد أبرمه الله، وهو يفي بوعوده دائمًا.

«إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ،

وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ،

رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ.

لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ.

بَعْدَ قَلِيل لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.

فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ.

اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي».

قَالَ لَهُ يَهُوذَا لَيْسَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ:«يَا سَيِّدُ، مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ؟»

أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً.

اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي. وَالْكَلاَمُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.

بِهذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ.

وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.

«سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.

سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَنَا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي.

وَقُلْتُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ.

لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا، لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ.

وَلكِنْ لِيَفْهَمَ الْعَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ، وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هكَذَا أَفْعَلُ. قُومُوا نَنْطَلِقْ مِنْ ههُنَا. (يوحنا 15:14-31)

إعداد المشهد

إنَّنا نكمل دراستنا حول النص الوارد في يوحنا 1:14-14، حيث كان التلاميذ الأحدى عشر متّكئين مع يسوع حول المائدة. وكان يهوذا قد ترك المجموعة لكي يقوم بدوره في تسليم يسوع (متى 14:26-16). ويمكنني أن أتخيَّل التلاميذ جالسين مكتوفي الأرجل وهم يتشرَّبون التعليم الجديد الذي كان يسوع يشاركهم به. ويملأ هذا التعليم الجديد الذي قدَّمه يسوع الأصحاحات الثالث عشر حتى السابع عشر من إنجيل يوحنا. وكان قد بقي ليسوع وقت قصير قبل تألّمه في بستان جثّسيماني وقبل أن يُصلَب. وكان عليه أن يهيّء قلوبهم للساعات المظلمة الآتية حيث كان سيُخيَّل للتلاميذ أنَّ الأمر إنتهى، وأنَّ كل ما سبق وحدث كان حلمًا.

الوعد بمجيء بالروح القدس

ووعد يسوع أنَّه سيطلب من الآب أن يُرسل المعزّي:

وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ،

رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. (العددان 16-17).

ما هو الوعد؟

الوعد هو إعلان أو تأكيد أنَّ أحدهم سيقوم بأمر معيَّن، أو أنَّ أمرًا معيَّنًا سيحدث في وقت معيَّن. وقد أعطى يسوع هذا الوعد ليس للتلاميذ المتكئين حول المائدة معه فقط، بل لكلِّ من يؤمن بالمسيح. فلم يُعطَ هذا الوعد لهؤلاء "الأحدى عشر قدّيس" فقط، ولم يمتازوا عن غيرهم بأي ناحية. فهم كانوا أناسًا عاديين مثلي ومثلك، حتى أنَّ القادة الدينيّين دُهِشوا عندما إمتلأوا بالروح القدس في يوم الخمسين. ونقرأ التالي: فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا. فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ. (أعمال الرسل 13:4).

وكان الربّ قد إختار هؤلاء الناس العاديين والأمييّن لكي يظهر مجد الله وصلاحه. ويجب على هذا الأمر أن يشجِّعنا إذ إنّ هذا الإله الكلِّي القدرة  قادر على فعل المستحيل مع رجال ونساء أمثالي وأمثالك. ويوضح لوقا كاتب الإنجيل هذا الوعد في سفر أعمال الرسل، فيقول:

وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي" (أعمال الرسل 4:1).

هل لاحظت ماذا دعى يسوع مجيء الروح القدس في يوم الخمسين؟ "موعد الآب". وماذا يجب علينا أن نعمل لنكسب وعد أُعطي لنا مجَّانًا؟ لا شيء بتاتًا! وإلاَّ فلن يكون عطيَّة مجَّانيَّة. هل يُعطى العامل أجرة عمله كهديَّة، أم أنَّه يعمل طوال الأسبوع ليستحق المبلغ الذي يأخذه؟ يعيِّد معظمنا أعيادًا خلال السنة حيث نتبادل الهدايا. وإن تصرَّف أحد الأولاد بشقاوة في الليلة السابقة للعيد هل يكفّ الأهل عن إعطائه الهديَّة؟ بالطبع لا، لأنَّ الهدية لا تُكتَسب، وهي لا تعتمد على تصرّف الشخص. والله الذي نعبد هو أب صالح يحب أن يعطي هدايا جيِّدة لأولاده، وليس بإستحقاق فيهم:

فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ :«تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا». (أعمال الرسل 38:2-39)

إنَّ الربّ يثبت على وعده الذي يقول إنَّ من يقبل غفران الخطايا في المسيح يسوع، تُعطى له عطيَّة الروح القدس. ولم يُعطَ الروح للأحدى عشر الذين إتكأوا حول الطاولة، بل لكلالذين يؤمنون والذين يطيعون الإنجيل حتى أقاصي الأرض. وإن كنت سمعت رسالة الإنجيل وآمنت فعليًّا وسلَّمت حياتك للمسيح، فأنت خُتِمت بوعد الروح القدس.

الَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ." (أفسس 13:1-14)

المعزِّي

بالنسبة للنص الذي نحن بصدد دراسته فإنَّ الروح الذي سيرسله الآب يُدعى "المعزّي" والكلمة هي Paraklētos في اللغة اليونانيَّة. ويشرح مفسِّر الكتاب المقدَّس وليم باركلي قائلاً:

"يأتي أصل الكلمة من الكلمة اللاتينيَّة fortis أي شجاع، وكان دور المعزِّي أن يشجِّع من خارت قواهم. أمَّا المعنى المعاصر للكلمة "المعزِّي" فتعني إعطاء الراحة عند الألم. والمعزِّي هو الشخص الذي يشعر معنا عندما نشعر بالحزن. ومن دون شكّ فهذا ما يفعله الروح القدس، لكن لا يمكن أن نحدِّد عمله في هذا المنطلق فقط. وغالبًا ما نقول إنَّنا إستمدينا القوَّة للقيام بعمل ما. فهذا ما يفعله الروح القدس إذ إنَّه يزيل ضعفاتنا ويساعدنا على التعامل مع صعوبات الحياة. وهكذا فإنَّه يستبدل حياة الإنهزام بالحياة المنتصرة".[1]

هل تغيِّر هذه المعلومات نظرتك من ناحية الروح القدس؟ شاركوا أفكاركم مع الآخرين.

ترد كلمة "المعزِّي" خمس مرَّات فقط في الكتاب المقدَّس، ونجدها فقط في العهد الجديد. يستخدمها يوحنا أربع مرَّات في إنجيله (يوحنا 16:14، 26:14، 26:15، 7:16)، وتُستخدم مرَّة واحدة في رسالة يوحنا الأولى 1:2. وكانت كلمة المعزي أو المشجّع paraklētos تُستخدم في الزمن اليوناني لتوكيل محام غير رسمي، أي أن يتقدَّم صديق ويدافع عن صديق له إتُّهم بأمر ما. أمَّا عند قراءتنا لدور الروح القدس في الكتاب المقدَّس فلا يمكننا أن نحدَّه بدور المحامي أو المعزِّي أو المرشد. فإستخدام كلمة واحدة تحدّ عقولنا من فهم دوره. وعلينا أن نفكِّر أنَّ دوره هو الـــ paraklētos أي الذي يساعدنا في سيرنا. فبينما كان يسوع على أهبة أن يترك تلاميذه، طمأنهم إذ قال لهم إنَّ المساعد الإلهي آتٍ. فهو يعطينا القوَّة عندما نعي (2كورنثوس 9:12)، ويعطينا البصيرة عند تقديم الإرشاد لأحدهم، ويذكِّرنا بمواعيد الله عندما نمرّ في أوقات صعبة، وهو يتكلَّم من خلالنا عندما نساق إلى المحاكمة من أجل إيماننا (لوقا 10:12-11).

أريدك أن تتوقَّف للحظة وتفكِّر بالتغيير الذي حصل للتلاميذ بعد أن حلّ الروح القدس عليهم. أتذكر هلعهم عند محاكمة يسوع وكيف هربوا وإختبأوا؟ تذكَّر كيف أنكر بطرس يسوع عندما قيل له إنَّه من أتباعه. لكن بعد حلول الروح القدس، تحلَّى التلاميذ بالقوَّة والشجاعة. وتوقفوا عن الإختباء في العلِّيَّة محاولين إستيعاب ما جرى. فبعد يوم الخمسين، أرسلهم الروح القدس إلى العالم ليجاهروا بكلمة الرب:

وَالآنَ يَارَبُّ، انْظُرْ إِلَى تَهْدِيدَاتِهِمْ، وَامْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ،

بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ».

وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ. (أعمال الرسل 29:4-31)

ما هي التغييرات التي تراها في التلاميذ قبل وبعد إختبارهم في العلِّيَّة؟

أوَّل أمر نلاحظه عن الروح القدس هو أنَّه يُدعى "معزِّيًّا آخر" (يوحنا 16:14). وكلمة آخرهنا تعني آخر من النوع نفسه. فهو فعليًّا مثل المسيح، إذ يُدعى روح المسيح (رومية 9:8، 1بطرس 11:1). أضف إلى أنَّه يُدعى روح الحقّ:

رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. (يوحنا 17:14).

لقد كان الروح القدس معهم قبلاً، إلَّا أنَّ يسوع يخبرهم أنَّه سوف يسكن فيهم من الآن وصاعدًا. وكان هذا إشارة إلى ما كان سيحدث في يوم الخمسين حين سيحلّ الروح القدس على المؤمنين ليقوِّيهم ويعمّدهم ليتحدوا بجسد المسيح الروحي. فهو سيسكن فيهم، ولن يكون معهم فقط. وربَّما تشير فكرة إلى أنَّ الروح كان معهم إلى التالي:

1. إشارة إلى وجود المسيح معهم بينما كانوا يذهبون من مكان إلى آخر، خاصّة وأنَّه مكتوب عنه أنَّه كان ممتلئًا بفيض من الروح القدس (يوحنا 34:3).

2. إشارة إلى الوقت الذي أرسلهم فيه يسوع للكرازة وأعطاهم سلطة وقوَّة أن يضعوا أيديهم على المرضى ويطردوا الشياطين (متى 8:10، لوقا 1:9-2). وكانت خدمتهم في الكرارزة بتعاليم يسوع نتيجة للروح القدس الذي كان معهم، وبالأكثر نتيجة لسكنهفيهم. ولم يكن بإستطاعة الروح القدس أن يسكن في قلوبهم إلاَّ بعد أن تطهَّرت بعمل المسيح الكامل على الصليب، وبعد أن وضعوا ثقتهم بذلك العمل الكامل (أعمال الرسل 9:15).

وقال لهم يسوع إنَّه حين يأتي المعزِّي، paraklētosكما أتى في يوم الخمسين، فإنَّه سيعلِّمهم ويذكِّرهم بكلِّ الأمور التي علَّمهم إيَّاها.

وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ. (يوحنا 26:14).

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَق وَلَيْسَتْ كَذِبًا. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ. (1يوحنا 27:2).

هل يعني ذلك أنَّنا لسنا بعد بحاجة إلى معلِّمي الكتاب المقدَّس؟ ما رأيك؟ وإن كنَّا لسنا بحاجة إلى المعلِّمين فماذا يعني ذلك؟

أعتقد أنَّ هذين النصَّيناللذين ذُكِرا عن أنَّ الروح القدس يعلِّمنا كل الأمور يعنيان أنَّ الروح يهبنا وعيًا للتفريق بين ما هو صح وما هو خطأ. وفي داخل كل منَّا "منبِّه" ينبئنا بما هو صح أو خطأ. وكتب بولس في رسالة رومية 16:8 أنِّ الروح القدس يشهد لأرواحنا أنَّنا أبناء الله. وتلاقي هذه الحقيقة تجاوبًا في دواخلنا. ربَّما يأتي أحدهم إلى المسيح، كالولد الصغير، دون معرفة عميقة عن من يكون يسوع، لكنَّ الروح يكشف الحقيقة مقابل الكذب الذي يقدِّمه لنا العدوّ حتى ولو لم يكن الإنسان يملك نسخة من الكتاب المقدَّس. لكن بالطبع نحن بحاجة للتأمّل بكلمة الله، والروح يعطينا بصيرة لنفهم ما نحن بصدد قراءته. ويكشف حضور الروح القدس (المِسحة) في حياة أحدهم، إن كان منفتحًا للتعلّم، الكثير عن المسيح.

كلمة الروح القدس

بالإضافة إلى قيادتنا لمعرفة الحق، فإنَّ بإستطاعة الروح القدس أن يعطينا كلمة من الرب، أي أن يعطي المعيي كلمة إغاثة. لقد جاءت كلمة "الكلمة" في عبارتين في اللغة اليونانية. فإمَّا أن تكون Rhema أو أن تكون Logos، وقد تُرجِمت كلاهما إلى كلمة "الكلمة" في اللغة العربيَّة. وتعني كلمة Rhemaتفوُّه، أي أن "يتحدَّث" جزء من كلمة الله لقلب المؤمن. وكأن يناسب نصّ ما حالة معيَّنة يمرّ بها المؤمن. أمَّا كلمة Logosفتخصّ الكلام المكتوب في نصوص الكتاب المقدَّس. لا تُستخدم في اللغة العربيَّة كلمتان مختلفتان عند إستخدام كلمة "الكلمة". فإن لم يستخدم القارىء النصّ اليوناني لن يعرف قصد الكاتب، بالرغم من أهميَّة ذلك، مثلاً: فَأَجَابَ وَقَالَ:«مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ (Rhema) تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ». (متى 4:4). ويقول المسيح في مكان آخر: "اَلْكَلاَمُ (Rhema)الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ"(يوحنا 63:6). والفكرة التي أراد الرب نقلها لنا هي أنَّه يبعث الله الحياة في نصٍّ معيَّن ليسدِّد إحتياج حالة خاصَّة. وغالبًا ما يكون ذلك من خلال تعبير ما أو فكرة تخطر في بالنا، أو أي شكل آخر. وربَّما يكون ذلك من خلال مقطع كتابي، أو عبارة بسيطة تخطر على بالنا، أو من خلال كلمات ترنيمة معيَّنة. فالله يستخدم طرقًا عديدة لنقل كلمة rhema  إلى أولاده، كما إستخدم أمثالاً وقصصًا وتشبيهات مختلفة حين أراد نقل فكرة معيَّنة لتلاميذه. والرؤيا الصحيحة أو كلمةrhema  لا تعارض أو تناقض أو تحلّ مكان كلمة الله. ويجب علينا أن نكون منفتحين لإستلام القيادة والتشجيع كهذا التشجيع من الروح القدس. لكن علينا أيضًا أن نمتحن أي فكر يطرأ على بالنا أو يأتينا من أحدهم مقابل كلمة الله. فكلمة الله والروح القدس لا يتناقضان أبدًا إذ إنَّهما من المصدر نفسه!

هل تسلَّمت يومًا إنطباعًا كهذا، أو شعرت أنَّ الله يتكلَّم معك عن حالة معيَّنة؟ إشرح.

الطاعة: المفتاح لحضوره

نقرأ أنَّ الروح القدس حلَّ على الرب يسوع على هيئة حمامة بعدما إعتمد على يد يوحنا المعمدان. وكتب يوحنا قائلاً:

وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلاً:«إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍمِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ.

وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. (يوحنا 32:1-33)

هل رأيت يومًا يمامة تطير ثم تستقر على أحدهم؟ لم أشهد ذلك قط، بالرغم من أنّي رأيت حمامات تستقر على يد أحدهم طلبًا للطعام! عندما كنت ساكنًا في إنكلترا، كانت ساحة ترافلغر من الأماكن المفضّلة لي لإصطحاب الأصدقاء لمشاهدة الكم الكبير من الحمامات المنتشرة هناك، وكأن كل الحمامات الموجودة في العاصمة لندن تجتمع في تلك الساحة. وكان لا يقلّ عن أربع حمامات تصطف على ذراعك ورأسك أيضًا! ونقرأ في هذا النص الكتابي أنَّ الروح نزل على يسوع على هيئة حمامة. والحمام عادة خجول وجبان، فأقلّ حركة سريعة أو صوت مفاجىء يخيفه فيطير بعيدًا.

عندما نؤمن بالمسيح، يحلّ الروح القدس علينا ويبقى إلى الأبد. هو لا يتركنا أبدًا. لكن يمكن أن نُحزنه بعدم طاعتنا فنخسر العلاقة الوطيدة معه. ويُسمِّي الرسول يوحنا حضور الروح القدس المميّز المسحة (1يوحنا 27:2)، ويجب علينا أن نحافظ عليها كأمانة مقدَّسة بالتوبة والتخلِّي عن أيَّة خطيَّة إن كنَّا نريد علاقة حميمة مع المسيح وإن كنا نريد المحافظة على الروح القدس فينا. لقد نزل الروح القدس وإستقرَّ على يسوع، ما يعني أنَّه شعر أنَّه في مكانه الصحيح.

يشرح ر. ت. كيندال الأمر في كتابه "حساسية الروح القدس" بالتالي:

"إنَّ أمر حلول الروح القدس وإستقرارهعلى يسوع يخبرنا الكثير عن يسوع، بالإضافة عن الروح القدس. فالروح القدس شعر أنَّه في المكان الصحيح إذ حلَّ على يسوع. وكانا مناسبين أحدهما للآخر. ويسوع لم يحمل أيَّة مرارة أو كراهيَّة أو ضغينة أو هلع أو إنتقام حتى يهرب الروح القدس اللطيف. وقد وصفه متّى بكونه وديعًا ومتواضع القلب، وهو لم يخاصم أحدًا ولم يرفع صوته (متى 29:11). كذلك، "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ" (متى 20:12). ولم يحاول مرَّة أن يؤذي أحدًا أيًّا كان.

ويعلِّمنا بولس الرسول قائلاً: "وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ." (أفسس 30:4). فالروح القدس لديه مشاعر، وقد نؤذيه عندما نجرح مشاعره بالتصرّفات التي نقوم بها. والكلمة "تحزنوا" المستخدمة هنا أتت في اللغة اليونانية (lupeo)المشتقَّة من كلمة lupee التي تعني "الألم" أو "الحزن"، أي عكس الفرح.

ونتعلَّم من بولس الرسول أنَّنا يمكن أن نُطفىء الروح القدس، إذ كتب قائلاً: "لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ." (1 تسالونيكي 19:5)

وتأتي كلمة "تُطفئوا" في الأصل اليوناني من كلمة  sbennumiوالتي تعني في الأساس "يُخمِد" أي إطفاء النار أو الأغراض المشتعلة. وعندما حلَّ الروح القدس في يوم الخمسين حيث كان الناس مجتمعين في العلِّيَّة أتى على شكل "ألسنة مشتعلة" (أعمال الرسل 3:2). وتحذير بولس من عدم إطفاء الروح القدس يعني أنَّه هناك إمكانية أن نطفئه.[2]

أمَّا مفاتيح المشي مع الروح القدس في هذا العالم فهي الإستماع إلى صوته وطاعة الربّ. وقد أوضح الربّ هذا الأمر لتلاميذه في النصّ التالي:

"أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً.

اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي. وَالْكَلاَمُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي." (يوحنا 23:14-24)

علينا أن نبذل جهدًا ليس فقط أن نعرف تعاليم المسيح، بل أن نطيع ما نتعلّمه عنه. ويقول الرب إنَّه بذلك يعرف الناس أنَّنا مؤمنون. فالله يفتِّش عن ناس يحبّونه. ومن يحب يسوع المسيح يحفظ وصاياه ويعمل بها، ليس فقط عندما تكون أعين الناس عليه بل أيضًا في الخفاء. وكلَّما إزدادت طاعتك على مستوى القلب، كلَّما فاض الروح القدس بالأكثر من خلالك. والسير في كلّ خطوة مع الروح يعني أنَّك موافق معه. وعندما تبعد عنه، أسرع بالتوبة وغيِّر موقفك وتصرّفاتك لتعود للسير معه. وإن تستمرّ بالسير حسب كلمة الله وإرشاد الروح القدس، يبقى الله معك وفيك.

رئيس هذا العالم

يصل يسوع إلى ختام محادثته مع الأحدى عشر تلميذًا المتّكئين حول المائدة. ويكمل تهيئتهم بقوله:

"لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا، لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ." (يوحنا 30:14)

من هو رئيس هذا العالم؟ وماذا يعني يسوع بقوله:"ليس له فيّ شيء"؟

في كلِّ مرَّة نخطىء، نحن نفتح الباب قليلاً للعدو كي يتغلغل في شخصياتنا ويؤثّر بنا فنخضع لإرادته. لكنَّ الأمر كان مختلفًا بالكامل مع يسوع إذ إنَّه لم يعطِ العدو مجالاً ولو صغيرًا ليدخل إلى حياته. وقد قال يسوع حرفيًّا:"ليس له فيَّ شيء." والذين عرفوا المسيح شهدوا أنَّه كان كاملاً من كلِّ ناحية، وهو لم يخطىء قطّ (1بطرس 22:2). وبما أنَّه كان كاملاً وبلا خطيَّة إستطاع أن يأخذ مكاننا. وعلينا أن نمنع العدوّ من أن يكون له أيَّة سيطرة على حياتنا. لا تسمح له بالدخول من أيَّةجهة. وما علَّمه الرسول يوحنا عن الغفران مهم جدًّا، إذ كتب قائلاً:"إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ." (1يوحنا 9:1). إذًا، علينا أن نغلق الباب ولا ندعه يدخل البتَّة لأن ليس له فينا شيء وهو لا يستطيع أن يشتكي علينا أمام الآب. ودم يسوع فقط يستطيع أن يطهّرنا من كلّ خطيَّة.

وينتهي النص بقول يسوع للتلاميذ: "قُومُوا نَنْطَلِقْ مِنْ ههُنَا." (يوحنا 31:14)

لقد علم يسوع أنَّ ساعته قد أتت، وأنَّه سيسلِّم حياته قريبًا. لقد أظهر لأتباعه كلّ ما يعرفه عن الآب، وقد علم أنَّ الأمر كان يتعلّق بهم من ناحية نشر الإنجيل، وقد أسلمهم للآب من خلال تلك الكلمات الأخيرة التي تفوَّه بها. ما أهميَّة أن نفهم حضور الروح القدس معنا وعمله في حياتنا. أعتقد أنَّه يُمكننا أن نجيب على ذلك بالقول أنَّ هذا آخر ما قاله يسوع لتلاميذه قبل أن يترك هذه الأرض. لقد علم أنَّ قواهم ستخور من دون الروح القدس. فربَّما ستكون لهم الرغبة والإرادة لإتِّباعه، لكنَّهم لن يتمتّعون بالقوَّة من دون مساعدة الروح القدس. فوعد أنَّ الروح القدس أو "المعزِّي أو المعين" سيكون معهم ليعلِّمهم ويقودهم ويقوِّيهم. وإن كانت هذه الرسالة مهمَّة في ذلك الوقت، فهي ما زالت مهمَّة اليوم.

أيُّها الآب، أشكرك لأنَّك ستساعدنا كي نكون حسَّاسين لسماع صوتك. قرِّبنا منك أكثر، وإجعلنا ندرك على الدوام الأمور التي تحزن الروح القدس. نحن نحتاجك!

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com