25. Jesus Washes His Disciples' Feet

يسوع يغسل أرجل تلاميذه

سؤال للمناقشة: إنَّ الوجبة الأساسيَّة التي تُقام يوم السبت في المنازل اليهوديَّة التقليديَّة هي حدث أسبوعي مهمّ. ما هو الوقت المفضَّل لك لإجتماع العائلة؟ وما هو الأمر الذي يشدّك بالأكثر إلى هذا الأمر؟

أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى.

فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ، وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ،

يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي،

قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا،

ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا.

فَجَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ. فَقَالَ لَهُ ذَاكَ:«يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!»

أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ».

قَالَ لَهُ بُطْرُسُ:«لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!» أَجَابَهُ يَسُوعُ:«إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ».

قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ:«يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي».

قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ».

لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذلِكَ قَالَ: «لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ».

فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضًا، قَالَ لَهُمْ:«أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟

أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ.

فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ،

لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ.

إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ. (يوحنا1:13-17)

تجهيز موقع الحَدَث

كانت عشيَّة العشاء الأخير، وكان يسوع يفكِّر بموته بينما كان يتناول عشاءه المقدَّس الأخير مع أقرب أصدقائه. وإذ حلَّ الظلام، لا بدَّ أنَّ قلبه كان يفيض بأمور كثيرة أراد أن ينقلها لهم قبل أن ينتقل من هذا العالم. فنراه يحاول أن يجهِّز هؤلاء الرجال إلى الهلع الذي ينتظرهم. لقد علم أنَّ ساعته قد أتت، ففي خلال خمسة عشرة ساعة كان سيُصلب. وتغطِّي الأصحاحات الخمسة التالية من إنجيل يوحنا الساعات الأخيرة التي سيصرفها يسوع معهم قبل أن يُلقى عليه القبض في بستان جثسيماني.

دعونا نحاول تخيَّل كيف بدت تلك العليَّة. وعندما يفكِّر الناس بالعشاء الأخير، غالبًا ما يتذكَّرون لوحة الرسام ليوناردو دا فينشي الشهيرة. وقد أصبحت تلك اللوحة من أشهر أعماله وذلك لأنَّ كثيرين حاولوا تقليدها في أماكن عدَّة. ويعود سبب شهرة اللوحة إلى أنَّها إختلفت عن أيِّ لوحة معاصرة لها حملت تلك الحادثة. وقد أراد ليوناردو أن يُظهر تعابير وجه كلّ تلميذ في اللحظة التي أعلن فيها يسوع أنَّ واحدًا منهم سوف يسلِّمهم. ولذلك، رسمهم في شكل خطٍّ مستقيم حتى يمكننا أن نرى تعابير وجوههم. وبالرغم من أنَّها لوحة جميلة، إلاَّ أنَّها لا تجسِّد الحادثة على حقيقتها تمامًا بالإستناد إلى ما نعرفه عن حضارة ذلك اليوم. وتختلف التفاصيل التي لدينا بالنسبة إلى كيف كانت التقاليد المتَّبعة في ذلك الوقت بالنسبة إلى الإحتفال بعشاء الفصح وبــــِ "بروتوكول" الجلوس حول المائدة. وإن كنَّا نريد أن نفهم كيف بدت تلك الغرفة في تلك الأمسية الجليلة علينا أن نمحي صورتها المدموغة في عقولنا.

وكان يسوع وتلاميذه الإثنا عشر قد وصلوا إلى العليَّة بعد أن كان يوحنا وبطرس قد أعدَّاها (لوقا 8:22). ونقرأ في إنجيل لوقا أنَّ التلاميذ إتكأوا حول الطاولة على شكل U (لوقا 14:22). وقد وُضِعت ثلاث طاولات لتشكِّل حرف U. وقد كان إرتفاع الطاولات عادة يقارب الثمانية عشر إنشًا. ولا بدَّ أنَّ التلاميذ جلسوا على وسائد ملقاة على الأرض أو على مساند منخفضة، وإتكأوا على يد بينما بقت اليد الأخرى حرَّة لتناول الطعام من الطاولة. وكان الجلوس بهذه الطريقة يدعو الجالس إلى الإتكاء من غير قصد على صدر الجالس على يساره.

وكانت تُوضع على الطاولة وجبة كاملة بالإضافة إلى الخبز والخمر. وعلى كلّ حال فنحن لا نعلم بالتحديد ماذا تناول يسوع وتلاميذه في تلك الليلة. ويختلف العلماء حول ما إذا كانت هذه وجبة عيد الفصح أو أيّة وجبة يهوديَّة عاديَّة. لكنِّي أظنّ أنَّ تلك كانت وجبة الفصح وأنَّ يسوع وتلاميذه مارسوا التقليد اليهودي بالنسبة للوليمة من حيث التحضير بإتقان تام إشارة إلى أهميَّة تلك الوجبة. ومن المهمِّ الملاحظة إلى أنَّ يسوع يرسم مقاربة بين الخبز والخمر  وبين جسده ودمه، تمامًا كما تُستخدم الرمزيَّة في وجبة عيد الفصح لتقديم التعليمات ولإحياء ذكرى معيَّنة. ولو كانت تلك الوجبة هي وجبة عيد الفصح كما أعتقد لاحتوت لائحة الطعام على كومة من ثلاثة "ماتزوت" الذي هو الخبز غير المختمر. ولاحتوت على أطعمة أخرى لها علاقة بطبق الفصح الرئيسي (كيعارا) والذي يحتوي على ستَّة عناصر يحمل كلّ منها معنى مهم بالنسبة لشعب الربّ. وكان دور تلك العناصر تذكيرهم بالحياة الصعبة التي إختبروها في مصر قبل أن يطلقهم الربّ من بيت العبوديَّة (خروج 3:13). وكانت تلك العناصر هي التالية:

1 و 2: نوعان من الأعشاب المرَّة إشارة إلى مرارة وقساوة العبوديَّة التي رسى تحتها اليهود في مصر القديمة. أمَّا اليوم فيستخدم العديد من اليهود الفجل الحار وخس "الروماين" Romaineالذي يحتوي على جذور مرَّة بدل هذين النوعين من الأعشاب.

3: وجبة الـــ "تشاروست"، والتي هي مزيج حلو وبني اللون من الفواكه والمكسَّرات، وهو إشارة إلى الطين الذي إستخدمه اليهود المستعبدون في بناء إهراءات مصر.

4: "الكرباس": وهو نوع خضار يؤكل في بداية العشاء إضافة إلى الأعشاب المرَّة، ويستبدل بالبقدونس أو الكرفس أو البطاطا المطبوخة التي تُنقع بالمياه المالحة (بحسب التقليد الإشكنازي)، والخل (بحسب التقليد السافرديمي) أو "التشاروست" (وهو تقليد قديم، مازال يُستخدم من قِبَل يهود بلاد اليمن).

5: "الزروا": عرقوب حمل مشوي إشارة إلى حمل الفصح الذي كان يُقدَّم في الهيكل في أورشليم، ومن ثم يُحمَّر ويُؤكل كجزء من وجبة عشاء الفصح.

6: "البيتزاه": بيضة مشويَّة إشارة إلى ذبيحة الإحتفال التي كانت تُقدَّم في الهيكل في أورشليم، ومن ثم كانت تؤكل مع العشاء.

وكانت تُوضع على الطاولة كأس من فخَّار وتُملأ بعصير العنب أو الخمر كما يقول البعض. لكنَّ المهم هو أنَّ العصير هو نتاج الكرمة. وكان الشخص يشرب من تلك الكأس أربع مرَّات مختلفة خلال العشاء. وكانت تلك الليلة تُعدّ من أهم الليالي عند اليهود، ولذلك تطلَّب تحضير العشاء وقتًا طويلاً. وكانت الأم أو الزوجة تقضي الأسبوع بكامله بالتحضير للعيد وتنظيف البيت بحيث لم يعد هناك أيَّة قطعة خبز تحتوي على خميرة. وحتى الآن يصلِّي رأس كلّ عائلة يهوديَّة قبل تناول الوجبة:"إنزع مني كلّ خميرة رأيتها أو لم أرَها حتى ولو كانت قدر ذرّة رمل." وغالبًا ما كان يلعب الأولاد لعبة بأن يخبِّأ أحدهم قطعة خبز مختمرة، ومن ثمَّ تطلب الأم من أحد الأولاد أن يبحث عنها ومن ثمَّ يحرقها. وكانت مراسيم إخلاء البيت من الخميرة جزء أساسي من إحتفالات عيد الفصح وهو أوّل يوم من إحتفالات عيد الفطير. وكان الدرس الذي قدَّمه يسوع للتلاميذ عن التنبّه لخمير الفرِّيسيين أي تعليمهم ليس غريبًا عليهم. وهكذا نرى أنَّ الخميرة هي إشارة للخطيَّة وأي شيء غير كامل أو حقّ. وهذا ما أشار إليه بولس الرسول حين كتب قائلاً:

لَيْسَ افْتِخَارُكُمْ حَسَنًا. أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟

إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا.

إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ. (1كورنثوس6:5-8)

إنَّ الخميرة تشير إلى الخطيَّة التي تفسد أرواحنا. والخميرة هي نوع من الفطريات التي تنفخ العجين إذ يدخل فيه الهواء. وهي صورة عن الإنسان الذي ينتفخ من ذاته، ظانًّا أنَّه شيء وهو لا شيء. فعلينا أن نتخلَّص من كبريائنا والإكتفاء الذاتي والتقدّم إلى الله بكل شفافيَّة وصدق.

وكان على سكَّان المناطق خارج أورشليم أن يأتوا قبل أسبوع من العيد، لأنَّه كان على سكان البلاد المجاورة أن يتطهَّروا لسبعة أيَّام قبل أن يُسمح لهم أن يعبدوا في الهيكل. ولهذا السبب لم يقبل رجال الدين أن يدخلوا إلى بلاط قصر بيلاطس عندما أحضروا يسوع إليه. فالدخول إلى بيت أممِّي يتطلَّب منهم أن يتطهّروا من جديد حتى يستطيعوا أن يأكلوا عشاء الفصح (يوحنا 28:18).

لم تكن شوارع أورشليم كما أيّة مدن قديمة مرصوفة. فكان المشي عليها يسبِّب إتساخ الرجلين. وكانت الأحذية تُصنع من الشرائط الجلديَّة وتُربط حول الرجلين بأشرطة. ويذكر إنجيل يوحنا أنَّ يوحنا المعمدان لم يشعر أنَّه مستحق أن يحل سيور حذاء المسيح (يوحنا 27:1). وكان التراب والوحل يدخلان بين أصابع الرجلين، ولهذا كان لا بدَّ من غسيل الأرجل عند الدخول إلى البيت. ولهذا، كان يوضع مستوعب من الطين أو الحجر يتَّسع لعدَّة غالونات من المياه بالقرب من الباب لغسل الأيدي والأرجل. ولربَّما كانت الأجرار الستَّة التي يحتوي كل منها على عشرين أو ثلاثين غالونًا من المياه (يوحنا 6:2) والتي حوَّل يسوع الماء فيها إلى خمر في عرس قانا الجليل هي نفسها التي كانت موضوعة لغسل الأيدي والأرجل عند الدخول إلى العرس. (ويعطي هذا الأمر مفهومًا جديدًا للقصَّة إذ إنَّ يسوع قد حوَّل ماء الإستحمام إلى خمر!). وكانت العادة أن يتقدَّم الخادم من الضيوف ويغسل أرجلهم. وكان بعض اليهود يعتقدون أنَّ تلك المهمَّة الوضيعة هي لعبد أممي فقط وليس يهوديًّا. ويبدو أنَّ يسوع إمَّا طلب من العبيد الذهاب أو أنَّهم كانوا مشغولين. ومهما يكن الوضع إلاَّ أنَّ التلاميذ لم يغسلوا أرجلهم، بل جلسوا على المتكأ حول الطاولة وأرجلهم متَّسخة.

وخلال تلك الأمسية، وقد علم يسوع أنَّها ليلته الأخيرة، دار جدل بين التلاميذ حول الطاولة حول من يكون الأعظم بينهم:

وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ.

فَقَالَ لَهُمْ:«مُلُوكُ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْمُتَسَلِّطُونَ عَلَيْهِمْ يُدْعَوْنَ مُحْسِنِينَ.

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ هكَذَا، بَلِ الْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَالأَصْغَرِ، وَالْمُتَقَدِّمُ كَالْخَادِمِ.

لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ: أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ الَّذِي يَخْدُمُ؟ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدُمُ.(لوقا24:2-27)

لا يذكر لوقا غسيل الأرجل، بينما يوحنا هو الوحيد الذي ذكر عن هذا العمل الذي يشير إلى قلب الخادم. ومن المرجَّح أن يكون يسوع قد قام عن الطاولة وقدَّم لهم مثالاً عن الخادم.

القائد الخادم المتجسِّد

أعتقد أنَّ السكوت حلَّ على الغرفة إذ قام يسوع من مكانه على الطاولة وإبتدأ بخلع ردائه. ولا بدَّ أنَّ التلاميذ تساءلوا ماذا عساه يفعل إذ نزع عن رأسه قبعَّة الصلاة فبدا وكأنَّه عبد أممي. ولا بدَّ أنَّهم دُهشوا إذ إتَّزر بمنشفة وملأ وعاء ماء! لقد كان يسوع يعلِّمهم بأفضل وسيلة عملية ممكنة للتعليم. وهو علم أنَّ ذلك الدرس مهم جدًّا لهم، وأراد أن يتضح في عقولهم.

إقرأ العددين الثالث والرابع من الأصحاح الثالث عشر من إنجيل يوحنا. نجد أنَّهما مرتبطان ببعضهما البعض. ما الذي يميّز العدد الثالث وما هو الأمر الذي يربطه بالعدد الرابع؟

يتحرَّر الإنسان المؤمن من إرضاء ذاته عندما يعرف مكانته في المسيح، وماذا فعل المسيح من أجله. وعندما نفهم بالكامل أنَّنا أبناء الإله الحي وقد إشتُرينا بدم إبنه الثمين (رؤيا 5:9)، نحصل على قوَّة لكي ننحني أمام أيَّة مسؤوليَّة يضعها الله أمامنا مهما تكن وضيعة. وبسبب محبَّتنا للمسيح نفقد الرغبة في إرضاء ذواتنا. ويمكننا أن ننظر في المرآة ونرى نفسًا صحيحة. ويمكننا أن نذكِّر أنفسنا أنَّه بالرغم من أنَّنا لسنا أغنياء في هذا العالم، لكن سيأتي يوم حين سنستلم مكافأة خدَّام الله. ومهما يكن الإنسان فقيرًا، إلاَّ أنَّه يكنّ لنفسه الإحترام عندما يفهم بالفعل ماذا يعني أن يكون إبنًا للرب من خلال الإيمان بما فعله المسيح على الصليب.

كان هذا الدرس من الدروس الأخيرة التي تركها معنا يسوع بينما كان على هذه الأرض. وكان من المهم له أن يخدم أتباعه بعضهم بعضًا، وأن يفهموا أنَّهم أنقياء بسبب الكلام الذي كلَّمهم به. وقد صوَّر لهم بكلِّ قوَّة الحقيقة التي ستقودهم خلال الأيَّام الآتية.

يظهر في العدد العاشر أنَّ يهوذا كان ما يزال في الغرفة عندما بدأ يسوع بغسل أرجل التلاميذ. فإلى ماذا أشار يوحنا حين قال إنَّ الشيطان كان قد دخل في يهوذا ليسلِّم يسوع؟

وإذ يكتب يوحنا عن أحداث تلك الليلة، يتأمَّل مليَّا بحقيقة أنَّ يسوع غسل رجلي يهوذا. ثمَّ يكتشف الإتفاقية المبرمة بين يهوذا وقادة اليهود الدينيين. وما أدهشه هو أنَّ يسوع كان عالمــًا بموضوع تلك الإتفاقية، إلاَّ أنَّه غسل رجلي يهوذا على كل حال. ويشرح لوقا في إنجيله أنَّ الإتفاقيَّة كانت قد أبرِمت قبل أن يجتمع التلاميذ ويسوع لتناول طعام العشاء:

وَقَرُبَ عِيدُ الْفَطِيرِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْفِصْحُ.

وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَطْلُبُونَ كَيْفَ يَقْتُلُونَهُ، لأَنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ.

فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الاثْنَيْ عَشَرَ.

فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ.

فَفَرِحُوا وَعَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً.

فَوَاعَدَهُمْ. وَكَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُإِلَيْهِمْ خِلْوًا مِنْ جَمْعٍ. (لوقا1:22-6)

لماذا برأيك تردَّد بطرس بالسماح ليسوع بأن يغسل رجليه؟

هل حدث أن غسل لك أحد رجليك في مراسيم غسل الرجلين (خميس الغسل أو الأسرار)؟ إنَّه إختبار يدعو للشعور بالتواضع ولعدم الراحة، خاصَّة لمن يملك قلبًا متكبِّرًا! قاوم بطرس هذا الفعل الذي أظهر تواضع يسوع. فكيف للسيِّد الذي أحبَّه أن يغسل له رجليه؟ فهذا أمر يقوم به الخادم! وكلمتا "أنت" و"لي" تُستخدمان معًا للتوكيد في اللغة اليونانيَّة. فالواضح أنَّ بطرس مدهوش بالفكرة، ولذا يجب أن نقرأ الجملة كالتالي:"أنتتغسل رجليّ!" ثمَّ تظهر فيه الطبيعة الجسديَّة بقوَّة فيقول في العدد الثامن:"لن تغسل رجليَّ أبدًا". فكبرياؤه رفضت أن تقبل هذا الفعل الذي يشير إلى التواضع. ولو كانت رجلاه متسختين فسيغسلهما بنفسه، ولن يقبل الفكرة أن يغسل سيّده له رجليه. وعلينا أن نتنبَّه من أفكارنا عندما تكون معاكسة لما يريد الرب أن يعلِّمنا. فطرقه ليست كطرقنا، وغالبًا ما تكون بعكس طبيعتنا. وغالبًا ما تفضِّل طبيعتننا البشريَّة أن تقوم بالأمور على طريقتها دون مساعدة الله. فلنتعلَّم كيف نميِّز تلك الأفكار ونتنبَّه إلى متى يعلِّمنا الرب درسًا، ولنبقَ منفتحين لما يريد الرب أن يعلِّمنا. وإن لم نفعل ذلك، فمن الممكن أن نخسر حقائق مهمَّة يريد أن يكشفها لنا.

كان جواب يسوع أنَّ بطرس سوف يفهم لاحقًا ماذا كان يقصد بغسل رجليه. فما الذي كان بطرس سيفهمه لاحقًا؟ وما الذي كان يعنيه حين قال:"إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ".(يوحنا 8:13).

نوعان من الغسيل

أوَّلاً هناك الغسيل بالماء، وهو غسيل طبيعتنا الأمر الذي يشير إلى الغسيل الروحي الذي قدَّمه لنا الرب على الصليب. وكان على الناس في العهد القديم أن يتقدَّموا من المذبح لكي يتقدَّموا من الربّ. وكان عليهم أن يقدِّموا حملاً بديلاً يُذبَح بدلاً عنهم، لأنَّه بدون سفك دم لا يُمكن التقدّم من الله:وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!(عبرانيين 22:9) لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. (لاويين 11:17). ويشير المذبح إلى التطهّر بالدم، وعلى الإنسان بكامله أن يتطهَّر. وأوضح يسوع لبطرس أنَّه إن لم يغسلك دمي المسفوك على الصليب فلن يكون لك نصيبًا معي. ولا يمكننا أن نتقدَّم من الله القدّوس إن لم نتمسَّك بذبيحة الجلحثة لكي تُغفر لنا خطايانا.

قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ». (يوحنا 10:13)

ماذا قصد يسوع حين قال إنَّ رجلي بطرس فقط بحاجة للغسيل وليس جسده كلّه؟

نقرأ في العهد القديم أنَّ الكاهن لم يكن يدخل إلى القدس وهو الغرفة الخارجيَّة من الهيكل قبل أن يغسل يديه ورجليه في المغسلة (أو المرحضة).

وَصَنَعَ الْمِرْحَضَةَ مِنْ نُحَاسٍ وَقَاعِدَتَهَا مِنْ نُحَاسٍ. مِنْ مَرَائِي الْمُتَجَنِّدَاتِ اللَّوَاتِي تَجَنَّدْنَ عِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ.(خروج 8:38)

أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا،

لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ،

لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ. (أفسس 25:5-27)

أَنْـتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ. (يوحنا 3:15)

ونقرأ في كلمة الله تطبيقًا لما يعنيه موت المسيح. وعندما نقبل كلمة الله ونطيعها فإننا نتطهَّر. لكن ما نزال نعيش في هذا العالم الذي هو مناقض لكلمة الله. ولا بدَّ أن نقع في الخطيَّة (أو تتسخ أرجلنا) بينما نعيش في هذه الحياة. لكن علينا أن نغسل أرجلنا من خلال الإعتراف بخطايانا وإستقبال غفرانه. وقد قال يسوع لتلاميذه إنَّهم طاهرون بسبب الكلام الذي كلَّمهم به. وبما أنَّهم مكثوا مع المسيح فقد تعرَّفوا عليه وفهموا لاحقًا سبب موته، وفهموا بعمق معنى إحتفال غسل الأرجل الذي قام به في تلك الليلة. ولا بدَّ أنَّهم قاموا بذلك عدَّة مرَّات بعد أن تركهم، متذكِّرين آخر أمسية قضاها معهم، وكيف خدمهم بكلّ بساطة، وكيف بذل نفسه بكل تضحية ممكنة.

لقد كسر يسوع "عِرفًا إجتماعيًّا" عندما إنحنى ليغسل أرجل التلاميذ. ويُمكن أن يعرَّف العرف الإجتماعي بالقانون أو التصرّف المتداول الذي تتشارك به مجموعة من المجتمع. لكن يسوع إشتهر بكسر الأعراف الإجتماعيَّة.

هل يمكنك تذكّر حادثة أخرى (أو أكثر) حين قام يسوع بذلك أيضًا؟ وهل يمكنك أن تفهم ماذا كان يريد يسوع أن يظهر من خلال ذلك؟

حين كان يسوع يتحدَّى الناس بكسر التقاليد الإجتماعيَّة، كان يهدف بذلك تعليمهم درسًا معيَّنًا بإستخدام وسائل تعليميَّة بصريَّة. ماذا يكون موقفنا عادة من الذين لا يتقيّدون بالتقاليد الإجتماعيَّة؟

التطهير من خلال الإعتراف بالخطايا

في العام 1818، كانت إمرأة من بين ست نساء تموت بسبب ما يُسمَّى "حمى الولادة". وكان اليوم العادي للطبيب يبدأ في غرفة التشريح حيث كان يقوم بتشريح الجثث، ومن ثم يبدأ بجولاته في المستشفى لفحص الأمَّهات اللواتي على وشك الولادة. ولم يكن يفكر أحد من الأطباء بغسل أيديهم بإتقان إلى أن أتى الدكتور إغناز سيميلويس الذي بدأ بممارسة غسيل اليدين جيِّدًا. وقد كان الطبيب الأوَّل الذي ربط بين الأيادي المتسخة ونسبة الموت المرتفعة. وهو خسر إمرأة واحدة من أصل خمسين مريضة، إلاَّ أنَّ زملاءه إستمروا بالسخرية منه. وقال مرَّة:"إنَّ حمى الولادة تُسبب بالمواد المتحلِّلة التي تدخل إلى الرحم... ولقد رأيت كيف يمكن تجنب ذلك. وقد برهنت عن كلّ ما تفوّهت به. لكن، بينما نحن نتكلَّم ونتكلَّم ونتكلَّم النساء تموت... إني لا أطلب أمرًا يهز العالم، بل كل ما أطلبه هو أن تغسلوا أيديكم". لكن، لم يصدّقه أحد في ذلك الوقت.

لقد رأينا كيف ينتشر المرض حتى في الطبيعة إن لم يحصل تطهير. ويمكن للمرض أن يقود إلى الموت إن لم يتوقَّف عند حدِّه. والخطية تشبه المرض وهي تستمر بالإنتشار إن لم تتوقَّف عند حدِّها. والتطهير من الخطيَّة متوفِّر لنا من خلال المسيح. وكمؤمنين علينا أن نصرف وقتًا في الإعتراف بخطايانا حتى نتمكَّن من السير في هذه الحياة بضمير صالح أمام الله والناس. وعندما يُظهر لنا الروح القدس أنَّنا قمنا بعمل ما لم يرضه أو تفوهنا بما هو خطأ علينا أن نعترف به لله ونطلب مساعدة الروح القدس كي يساعدنا على الإنتصار في المرَّة المقبلة التي تواجهنا بها التجربة. ونوع الحياة هذا يُدعى السير بالروح. وإن كنَّا نفعل ذلك، نتنبَّه حين يكلِّمنا الله من خلال الروح القدس ونتعلَّم منه. وإن كنا لا نفعل ذلك فنحن نخسر وتتقسَّى قلوبنا بسبب الخطيَّة. وهذا جزء من الحلقة المستمرَّة في حياة تلاميذ المسيح المكرَّسين له. وقد فهم الرسول بولس ذلك، فطلب من المؤمنين قائلاً:

إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا.

إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ.

إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِبًا، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا. (1يوحنا8:1-10)

يمكننا أن نعرف من خلال إيماننا بالمسيح أنَّ خطايانا قد غُسِلت وبإستطاعتنا أن نتمتَّع بالعلاقة مع الله. وهو يطهِّرنا من كلّ ما هو ليس بارًّا. والروح القدس مستعد أن يقودك ويساعدك على الإستمرار في السير في  الطريق الذي يريدك أن تمشي عليه. ونجاحك لا يعتمد على قدراتك. وحياتك المسيحيَّة تعتمد على المسيح وعلى غفرانه. وإن كنت قد طلبت من الربّ أن يغفر لك خطاياك، فهو طهَّرك من خلال الذبيحة التي قدَّمها على الصليب، وهو مستعد أن يقودك ويستمر في تطهيرك بينما تتعلَّم أن تستمر بالسير معه.

صلاة: أيُّها الآب، أشكرك على نعمتك الكريمة إذ وهبتنا التطهير من الخطيَّة. ساعدنا أن نتجاوب سريعًا لصوت روحك القدّوس. أشكرك لأنَّك إنحنيت لتخدمنا، بالرغم من أنَّك ربّ الكلّ. ساعدنا كي نستمتع في خدمة الآخرين معك. آمين!

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com