22. Jesus Raises Lazarus from the Dead

يسوع يقيم لعازر من الموت

سؤال للمشاركة: ما هي أسوأ رائحة تعرَّضت لها في حياتك؟ ما كان سببها، وأين شممتها؟


الإله الذي يتعاطف مع أولاده

فَانْزَعَجَ يَسُوعُ أَيْضًا فِي نَفْسِهِ وَجَاءَ إِلَى الْقَبْرِ، وَكَانَ مَغَارَةً وَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ حَجَرٌ.

قَالَ يَسُوعُ:«ارْفَعُوا الْحَجَرَ!». قَالَتْ لَهُ مَرْثَا، أُخْتُ الْمَيْتِ:«يَاسَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ».

قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟».

فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعًا، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ:«أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي،

وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي».

وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:«لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!»

فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ».

فَكَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَرْيَمَ، وَنَظَرُوا مَا فَعَلَ يَسُوعُ، آمَنُوا بِهِ.

. يوحنا 38:11-47

نرى في قصَّة قيامة لعازر الألم الذي إعتصر به قلب يسوع إذ تقابل مع مرارة الموت وإذ تألَّم مع أصدقائه. ونرى في هذا النص لمحة عن المشاعر التي أظهرها يسوع في إنسانيَّته. ونراه في الوقت نفسه ربًّا على الموت مظهرًا عظمة الله بطريقة عجائبيَّة! رأينا في الدرس الأحداث التي أدَّت إلى رجوع يسوع إلى مرثا ومريم ولعازر الميت. ورأينا كيف أنَّ روح يسوع إضطربت عندما رأى مريم ومرثا واليهود عند القبر يبكون. ونقرأ في العدد الثامن والثلاثين مرَّة ثانية أنَّ روح يسوع إضطربت داخله.

يبدو أنَّ يوحنا البشير يشدِّد لنا كم تأثَّر يسوع وإنكسر قلبه بسبب الوضع الذي ساد حول القبر. لماذا كرَّر يوحنا القول بأنَّ يسوع تأثَّر؟  أظن أنَّ أمرًا ما لفته في المسيح وكيف أنَّ قلبه تحرَّك بسبب ألم أصدقائه من حوله. لا بدَّ أن يسوع شهق بالبكاء. فنرى جانبًا مختلفًا لإلهنا الذي يختلف عن كلّ ما يُسمَّى آلهة. وهذا الإله الذي نقرأ عنه في التوراة يتعاطف مع خليقته. ماذا نعني بكلمة "تعاطُف"؟ عندما يظهر الإنسان تعاطفًا فهو بإستطاعته أن يتفهَّم ويشارك مشاعر الآخرين. ولإله الكتاب المقدَّس المقدرة ليشعر بما يشعر به شعبه. فالأمور التي تؤلمنا تمسّ قلبه أيضًا، وقد كتب النبي إشعياء عنه قائلاً: "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً." (إشعياء 53:4). أمَّاكاتب السفر إلى العبرانيين فكتب عن يسوع رئيس كهنتنا قائلاً:" أَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ." (عبرانيين 15:4).

وبينما كان شاول القائد الديني الغيور الذي أصبح بولس الرسول في طريقه إلى دمشق ليضطهد المؤمنين ويرميهم في السجون، ظهر له الربّ وقال له:" شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ. (أعمال الرسل 14:26)

لم تكن لدى شاول أيَّة فكرة أن يسوع الإله المتجسِّد يشعر بما يشعر به شعبه. وسأله الربّ:"لماذا تضطهدني (أنا)؟". وكان شاول يضطهد المؤمنين عن جهل غير عالمٍ أنَّهم أولاد الله بالحقّ! فأوضح له الربّ بأنَّه يتعاطف مع شعبه ويشعر تمامًا بما يشعرون به. وكان ينخس قلبه بمعتقداته خاصَّة عندما شاهد بأمّ العين موت إستفانوس أوَّل شهيد (أعمال الرسل 57:7-60)، لكنَّ شاول إستمرّ بما كان يفعله تحت صورة التقوى التي رآها في شاول، التي كان يفتقدها هو فعليًا. إنَّ صراعنا ومقاومتنا لقناعات الله (نخس المنافس) يجعلان الأمر صعبًا علينا نحن. لكنَّ الربّ أظهر لشاول (بولس) برحمته ألمه لما كان يفعله بكنيسته.

ما هي الصورة التي تحملها عن الله؟ هل تراه كقاضي متعالٍ يشرف على خليقته بسلبية تامة؟ أم هل بإمكانك أن تتخيَّل أن أحاسيسه تتحرَّك مع ألمك؟ هل تذكر يومًا شعرت فيه بألم شديد؟ ما هو شعورك الآن إزاء معرفتك أنَّ المسيح يتشارك مع ألمك؟

عند قبر لعازر

بُنيت مدينة أورشليم والمدن المحيطة بها على سفح منطقة جبليَّة في اليهوديَّة. وقد شكَّلت تلك المنطقة مشكلة في عدم وجود أماكن كافية لدفن الناس بسبب عدم عمق التربة. وكان الأغنياء يُدفنون في كهوف حُفِرت في الجبال الصخريَّة. وهناك دُفِن لعازر في إحدى تلك الكهوف. وكان القبر يُغلق بواسطة حجر دائري يتعدَّى وزنه مئات الكيلوغرامات. ونقرأ أنَّه عندما أتت مريم المجدليَّة ومريم أمّ يعقوب وسالومي لزيارة قبر يسوع أنَّهنَّ كنَّ محتارات من سيدحرج لهنَّ الحجر لأنَّه ثقيل وكبير (مرقس 3:16). وكان الحجر عادة يستند إلى نوع من السكَّة ليغلق الباب بالتمام. وغالبًا ما كانت أسرة بكاملها تُدفن في قبر واحد.

طلب يسوع من التلاميذ والحاضرين أن يُدحجروا الحجر. وكانت مرثا ما تزال غير مصدِّقة ما يجري، وتذمَّرت قائلة بأنَّه لا بدَّ أن يكون لعازر قد أنتن لأنَّه كان قد مات منذ أربعة أيَّام. أتساءل إن كانت قد فاحت رائحة الموت من القبر؟ فالباب لم يكن موصدًا بالكامل، بل بحجر مرصوص عليه. وعلينا أن نسأل: عند أيِّ نقطة حصلت المعجزة؟ أعتقد أنَّ رائحة الموت كانت تفحّ من القبر بينما كانوا يدحرجون الحجر. ونقرأ أنَّ الكثير من اليهود آمنوا بيسوع بينما شاهدوا معجزة إقامة لعازر من الموت. فلم يكن بإستطاعة أحد أن ينكر ما رآه يحصل أمام عينيه. ولا بدَّ أن رائحة الموت الفاحَّة من داخل القبر كانت كافية لتؤكِّد موت لعازر. ورفع الربّ عينيه نحو السماء وصلَّى لأبيه قبل أن يصرخ بصوت عالٍ: "لعازر هلمَّ خارجًا." (ع 43). أظنّ أنَّه لو لم ينادِ يسوع لعازر بإسمه، لكان شهد اليهود عددًا من الأموات المدفونين في تلك البقعة يقومون من الموت!

أيمكنك تخيّل النظر إلى الجمع في تلك اللحظة؟ ماذا كانوا يفكِّرون بينما كان يسوع يأمر لعازر بالخروج؟ من السهل علينا تصديق ما جرى لأنَّنا نعلم كلّ التفاصيل ونعرف نهاية القصَّة. أمَّا بالنسبة لهم، فإنَّ البعض منهم سخروا عندما إشتمّوا رائحة الموت، وشكّوا في إمكانيَّة خروج لعازر من القبر. كم إستغرق الأمر؟ هل نتكلّم عن ثوانٍ أم عن دقيقتين أو ثلاث دقائق من الصمت قبل أن يخرج لعازر من القبر؟ وهل تبخَّرت رائحة الموت في وقت الإنتظار ذلك؟ تحتار عقولنا ما يمكن أن يكون الناس قد فكَّروا بينما كانوا منتظرين. أمر واحد مؤكّد وهو أنَّه عندما وقف لعازر في الباب إرتفعت شهقات التعجّب وصراخ الإبتهاج. لقد قُهِر الموت! فمخلِّصنا يقهر الموت والقبر.

لو كنت واقفًا عند القبر، ماذا كنت إفتكرت عند سماعك يسوع يطلب من لعازر أن يخرج خارجًا؟

سؤال إضافي: هل تظنّ أنَّ معظم الموجودين حول القبر توقَّعوا أن يخرج لعازر؟ تخيَّل نفسك موجودًا وسط الجمع وتخيَّل الضغط المسيطر على المكان وبعضهم ربَّما يلقي باللوم على يسوع لعدم حساسيته مع النائحين. ما هي الناحية التي تلفتك في تصرّفه في تلك اللحظة؟

لطالما كان يسوع عمليًّا. فمثلاً، عندما أقام إبنة يايرس رئيس المجمع من الموت قال للموجودين أن يقدِّموا لها طعامًا (لوقا 55:8). وحين ظهر لعازر في باب القبر قال لهم:"حلّوه ودعوه يذهب." (ع 44)، إذ كان من الصعب على لعازر أن يقف ناهيك عن المشي وهو ملفوف بالقماش. لم يتقن الشعب اليهودي فن التحنيط كما فعل المصريون، بل كانوا يتركون الأجساد تتحلَّل. إنَّما كانوا يلفّونها بأطياب. ويخبرنا ميريل تني في كتابه حقيقة القيامة عن تقاليد الدفن في تلك الأيَّام:

"كان الجسد يُغسل ويقوّم ثمَّ يُربط بقوَّة من أسفل الإبطين حتَّى الكاحلين. وكانت توضع بين اللفائف أطياب مطاطيَّة الملمس كانت تُساعد على لصق اللفائف ببعضها بعضًا بشدَّة. وبعدما كان الجسد يعلَّب بهذه الطريقة، كان الرأس يُغطَّى بقطعة قماش مربَّعة وتُربط في أسفل الذقن لمنع الحنك من الإرتخاء.[1]

نقرأ أنَّ وزن الأطياب التي لفَّ نيقوديموس ويوسف الرامي جسد يسوع بها كانت تزن حوالي الثلاثين كيلوغرامًا (يوحنا 39:19). لو كان هذا العرف المعتمد في تلك الأيَّام (وهو بالفعل كان معتمدًا) لكان من الصعب على لعازر النهوض والخروج من الباب. لقد كان مربوطًا بلباس القبر. وبالرغم من أنَّنا حصلنا على الحياة الجديدة، نبقى أحيانًا مربوطين بحياة الخطيَّة القديمة. ويصعب على جسد الخطيَّة السير نحو يسوع.

ما هي بعض الخرق الرثَّة التي ما تزال تعلق بك؟ وما هي الأمور في حياتك الماضية التي يجب أن تتخلَّص منها؟

ألا تتمنَّى معي لو كان يوحنَّا قد أخبرنا عن الإحتفال الذي جرى في بيت مرثا بعد قيامة لعازر؟ فبدل من أن يجلسون شاعرين بالحنين لحياة لعازر، كانوا يستمعون بفرح لإختبار موته وتواجده مع ربِّه في السماء. أتمنى لو كنت موجودًا في ذلك الإحتفال أستمع إلى الأحاديث الدائرة وأنظر الفرج والسعادة الموجودين على وجهي الأختين بينما كانتا تغمران أخيهما وتبكيان مستذكرتين الوضع بكامله حين ظنَّتا أنَّهما خسرتاه للأبد حتَّى أتى خارجًا من القبر نزولاً عند طلب يسوع. إنِّي متأكِّد أنَّه أقيم إحتفال تسبيح للربِّ.

المكيدة لقتل يسوع

عادة هناك من يُفسد الفرحة، وهذا ما نقرأه عنه في المقطع التالي. فبعض المقاومين للمسيح رأوا ما يمكن أن تسبِّبه تلك المعجزة من تهديد لنفوذ القادة الدينيين، فذهبوا إلى الفريِّسيين وأخبروهم بما حصل في بيت عنيا.

وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَمَضَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ وَقَالُوا لَهُمْ عَمَّا فَعَلَ يَسُوعُ.

فَجَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ مَجْمَعًا وَقَالُوا:«مَاذَا نَصْنَعُ؟ فَإِنَّ هذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً.

إِنْ تَرَكْنَاهُ هكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ، فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا وَأُمَّتَنَا».

فَقَالَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَيَافَا، كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ:«أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا،

وَلاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!».

وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ،

وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ.

فَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ تَشَاوَرُوا لِيَقْتُلُوهُ.

فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ أَيْضًا يَمْشِي بَيْنَ الْيَهُودِ عَلاَنِيَةً، بَلْ مَضَى مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْكُورَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْبَرِّيَّةِ، إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا أَفْرَايِمُ، وَمَكَثَ هُنَاكَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ.

وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا. فَصَعِدَ كَثِيرُونَ مِنَ الْكُوَرِ إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبْلَ الْفِصْحِ لِيُطَهِّرُوا أَنْفُسَهُمْ.

فَكَانُوا يَطْلُبُونَ يَسُوعَ وَيَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهُمْ وَاقِفُونَ فِي الْهَيْكَلِ:«مَاذَا تَظُنُّونَ؟ هَلْ هُوَ لاَ يَأْتِي إِلَى الْعِيدِ؟»

وَكَانَ أَيْضًا رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ قَدْ أَصْدَرُوا أَمْرًا أَنَّهُ إِنْ عَرَفَ أَحَدٌ أَيْنَ هُوَ فَلْيَدُلَّ عَلَيْهِ، لِكَيْ يُمْسِكُوهُ (يوحنا 45:11-57)

دعا السهندريم لإجتماع طارىء عندما سمعوا عن قيامة لعازر من الموت. وكان السنهدريم مؤلَّفًا من سبعين رجل دين. وكان رئيس الكهنة يترأس تلك الإجتماعات وبذلك يصبح العدد واحدًا وسبعين. وقد تشكَّل هذا النمط في زمن موسى وشيوخ إسرائيل. فعندما إزداد عمل موسى في الخدمة، وضع الربّ من قوَّته التي وضعها في موسى على سبعين من شيوخ إسرائيل ليساعدوه (سفر العدد 17:11). وفي زمن المسيح، كان السنهدريم قد وصل إلى قمَّة قوَّته في تشريع كل القضايا المتعلِّقَّة بالحياة الدينيَّة والسياسيَّة. وكان مؤلَّفًا من فرِّيسيين وصدُّوقيين. وكان الفريسيون يركِّزون في أسلوب حياتهم على طاعة الناموس طاعة كاملة، ولم ينخرطوا أو يهتمّوا بالأمور السياسيَّة إلاَّ فيما يخصَّ طاعة الناموس. أمّا الصدوقيّين فكانوا من الطبقة الأرستقراطيَّة الغنيَّة وكانوا يهتمّون بقوَّة في الأمور السياسيَّة. وكان الكهنة من الصدوقيين ولم يؤمنوا بالقيامة، أمَّا الفريسيين فكاوا يؤمنون بالقيامة.

لحظة حاسمة

لا نعلم إن كان السبعون رجلاً قد إجتمعوا، لكن من المرجَّح أنَّ الذين كانوا متعاطفين مع خدمة يسوع لم يُدعوا إلى ذلك الإجتماع. والذين إجتمعوا معًا في ذلك الإجتماع واجهوا لحظة حاسمة. ما المقصود بعبارة "لحظة حاسمة"؟ إنَّها لحظة في حياتنا تعبِّر عن من نحن أو من سنكون. إنَّها حادثة تجسِّد أو تحدِّد كلّ الأحداث التي ستلي. كيف تبدو اللحظة الحاسمة؟ كانت اللحظة الحاسمة بالنسبة لبطرس حين سمع يسوع يعظ وحين طلب منه يسوع أن يلقي شباكه للصيد. وبالرغم من أنَّه تذمَّر قائلاً إنَّه إصطاد طوال الليل، إلاَّ أنَّه رمى الشباك وإصطاد كميَّة كبيرة من السمك. وأتت اللحظة الحاسمة حين طلب منه يسوع أن يترك الشباك ويتبعه، ومنذ تلك اللحظة بدأ بإصطياد الناس (لوقا1:5-11). ويمكننا إستخدام مثلاً معاصرًا من أحد الأفلام حين فضَّل "لوق سكاي وكر" الموت بأن يرمي نفسه من أعلى Cloud City على أن يخدم قوَّات الظلام. وأذكر لحظة حاسمة في حياتي أقل دراماتيكيَّة لكنَّها مهمَّة. حدث الأمر حين كنت أعمل مع والدي على مركب الصيد خاصَّته. وكانت الحكومة قد منعت إصطياد نوعًا معيَّنًا من السمك لأنَّ الصيَّادين كانوا قد إصطادوا الكميَّة المحدَّدة لتلك السنة. لكن بعدما وجد والدي أنَّه لم يكن متوفِّرًا أي نوع آخر من السمك، قرَّر أن يستمر في إصطياد السمك المحظر صيده وبيعه في السوق بطريقة غير شرعيَّة. إنِّي أتفهَّم موقف والدي في ذلك الحين. وكانت الدولة قد جعلت حياة الصيَّادين صعبة بحظرها إصطياد أنواع معيَّنة من الأسماك. وقد إعتبر الصيّادون ومن بينهم والدي ذلك أمرًا مجحفًا. وكنت قد آمنت بالمسيح في ذلك الوقت. فاحترت في أمري، وكنت أتخبَّط بين أن أماشي والدي بالإصطياد غير الشرعي، أو أن أمتنع عن الصيد. وتكلّم الرب معي من خلال كلمته:«هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ» (متى 19:4). فاتخذت القرار بأن أتوقَّف عن الصيد بدافع العمل، ولم أعد منذ ذلك الحين. وتغيَّرت حياتي بسبب ذلك القرار الذي إتخذته.

لا تأتي اللحظات الحاسمة غالبًا، لكنَّها تغيِّر حياتك إستنادًا إلى ردَّة فعلك في تلك اللحظة. واللحظة الحاسمة التي واجهت السنهدريم حينها كانت ردَّة فعلهم للأحداث الجارية. فلا بدَّ أنَّ المنطقة المجاورة كانت تتداول أمر الأعجوبة التي شاهدوها. وربَّما آمن بعض المشكِّكين أنَّ يسوع هو المسيح بعد رؤيتهم لما حدث. فكيف يجب أن تكون ردة فعلهم كالسنهدريم تجاه ما حصل؟ هل يحاولون إيجاد تفسير لما حصل وهل يسعون لتبرير موقفهم؟ هل يتجاهلون ما حصل، ويحاولون التركيز على ضبط "الحركة" التي إعتبروها خطرة؟

هل يمكنك وصف لحظة في حياتك كانت حاسمة وغيَّرت معتقداتك أو مجرى حياتك بالكامل؟ هل حصل تغيير على حياتك منذ تلك اللحظة؟

كانت اللحظة الحاسمة للسنهدريم تعتمد على الموقف الذي سيتخذونه. فالكلّ يتطلَّع عليهم، وكثيرون كانوا يتساءلون إن كان يسوع هو المسيَّا المنتظر. وكان القادة الدينيين قد رفضوا يسوع بالكامل. وكان قرارهم سيشكِّل معضلة لأولئك الذين يتبعونهم. فأي قرار يجب أن يتخذوا بذلك المدعو يسوع الناصري؟ فإن لم يوقفه عن عمله، سيتركهم الجميع وسيلحقون به، وسيفقدون سيطرتهم على الشعب. وسيخسرون حياة الرخاء الذين إعتادوا عليها والسلّم الإجتماعي الذي بنوه والذي يعتمدون عليه في حياتهم الإجتماعيَّة. ونرى هنا مجدَّدًا شخص يسوع يفرض على الناس إتخاذ القرار الذي سيؤثِّر على مصيرهم الأبدي. وقد أثَّر رئيس الكهنة قيافا بالشعب لدرجة أنَّهم إختاروا أن يموت يسوع بدل أن يروا الإنقسام يحدث بين اليهود ممَّا يدع الرومان يسحبون السلطة من أيدي السنهدريم. وشعروا أنَّ القرار الذي يتخذون سوف يؤثِّر على ديمومتهم، وأرادوا ما هو الأفضل للمجتمع اليهودي.

وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ، وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ. (يوحنا 51:11-52).

هل تفوَّه قيافا بنبوَّة حقيقية موحى به من روح الله؟ ما رأيك؟

أنا أؤمن أن ليست كلّ نبوَّة موحى بها من الله، وإلاَّ فلماذا ينصح بولس الكنيسة بأن تزين أو تحكم على كلّ كلمة نبويَّة: "أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلْيَتَكَلَّمِ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، وَلْيَحْكُمِالآخَرُونَ." (1كورنثوس 29:14). فحتَّى أنبياء الكتاب المقدَّس أخطأوا في بعض الأمور. فعندما أُرسِل صموئيل إلى بيت يسَّى ليختار الملك المستقبلي، رأى الأطول والأكبر من بين أبناء يسَّى وظنَّ أنَّ هذا هو مسيح الربّ. لكنَّ الربّ تكلّم معه قائلاً إنَّ إليآب ليس من إختاره الربّ (1صموئيل6:16). وعندما رغب الملك داود ببناء هيكل للرب في أورشليم، شارك فكرته مع النبي ناثان. وكان ردّ ناثان:"اذْهَبِ افْعَلْ كُلَّ مَا بِقَلْبِكَ، لأَنَّ الرَّبَّ مَعَكَ" (2صموئيل 3:7-5). لكن خلال الليل تكلَّم الربّ مع ناثان وقال له بأنَّه أخطأ بالإجابة التي قدَّمها لداود وبأنَّ عليه أن يخبر داود بأنَّ إبنه سيبني الهيكل وليس داود. مرَّة أخرى، نبي آخر أخطأ في حكمه. ثمّ نقرأ في سفر أعمال الرسل عن نبي يُدعى أغابوس الذي أخذ منطقة بولس الرسول وربط رجليه ويديه به قائلاً: «هذَا يَقُولُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ هذِهِ الْمِنْطَقَةُ، هكَذَا سَيَرْبُطُهُ الْيَهُودُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى أَيْدِي الأُمَمِ». (أعمال الرسل 11:21). لم تأتي نبوَّته خطأ بالكامل إلاَّ أنَّ الرومان كانوا سيقيِّدون بولس وليس اليهود الذين أرادوا قتله! أرجو أن لا تسيئوا فهمي، فإنِّي أؤمن بوجود موهبة التنبّؤ، لكنِّي أرجع دائمًا إلى كلمة الربّ لأفحص ما إذا كان روح الله يقدِّم كلمة تشجيع أو تعزية أو تقوية (1كورنثوس 3:14).

أعتقد أنَّ نبوَّة قيافا في هذه الحادثة نتجت عن نوايا أنانيَّة. لكن الربّ سمح بأن يسجِّلها كنبوَّة حقيقيَّة، فحتَّى خطط العدوّ كانت تعمل لتتميم هدف الله الأزلي. ويبدو أنَّ قيافا تفوَّه بتلك الكلمات متلاعبًا بالجمع ليجذبه إلى صفِّه بأن يتخلّوا عن يسوع الإنسان البار. ورأى أنَّ بعضًا من النخبة الدينيَّة لاحظوا أنَّه كلَّما عارضوا ما يقوم به يسوع، كلَّما إنجذبت إليه الأنظار. «انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!». (يوحنا 19:12). وأجبرتهم اللحظة الحاسمة التي واجهوها إمَّا أن يقبلوه أو أن يرفضوه، وقد إختاروا أن يحافظوا على سلطتهم ومكانتهم وراحتهم بدل أن يحنوا ركبهم لربوبيَّة المسيح بالرغم من العلامات والعجائب التي رأوها والتي شهدت عنه.

ربَّما تشكِّل هذه لحظة حاسمة لك بينما تدرس إنجيل يوحنَّا وحياة يسوع. فكم من البراهين أنت بحاجة أن ترى قبل أن تأخذ قرارًا بالنسبة لموقفك من شخص المسيح؟ وهل هي لحظة حاسمة بينما تفكِّر كيف يجب أن يكون تجاوبك مع الروح القدس؟ هل تخبِّىء عادة أم خطيَّة تمنعك من إتِّباع الرب؟ هل تترك أمرًا وأنت تعرف في داخلك أنَّه لا يتماشى مع إرادة الله؟ أم هل ترفض صوت روح الله المنخفض الذي يقول لك:"إنَّه يومك، وإنَّها لحظتك الحاسمة." إنَّه يعد بأن يساعدك على أن تتغيَّر إن كنت تختار أن تتبعه. والخيار رائع أمام كل واحد منّا. تخلَّ عن فكر يشدّك إلى منصب معيَّن أو حياة الراحة، وإنحنِ أمام ربّ الخليقة، وإطلب من المسيح أن يغفر لك خطاياك، وإبدأ بالسير معه.

صلاة: أيّها الآب أشكرك على القوَّة الموجودة في كلماتك. وأشكرك لأنَّك دعوتنا من الظلمة إلى نورك العجيب. ساعدنا أن ندرك اللحظات الحاسمة التي تمر في حياتنا، وبأن نقول نعم لروحك القدوس. آمين.

Keith Thomas

Email: keiththomas7@gmail.com

Website: www.groupbiblestudy.com