2. God sent a man

أرسل الله رجلا

2. أرسل الله رجلا

سؤال للتفكير: شاركوا مع بعضكم البعض حادثة تناول طعامٍ ذي طعم كريه أو غريب أو مقرف.

سافرت برًّا في سنة 1976 في رحلة استكشاف روحية إلى آسيا عبر أوروبا على متن ما كان يُعرف بالباص السحري الذي كان ينطلق من لندن وصولا إلى الهند (اكتسب اسمه من عنوان البوم "الغناء المباشر من ليدز" لفريق الروك Who.) وعندما وصلنا إلى أفغانستان (حدث ذلك قبل الإضطرابات الحالية في ذلك الجزء من العالم) توجّهنا إلى مطعم حيث جلسنا متربّعين أمام طاولة على سجادة فاخرة تمامًا كما يفعل الأفغان. نظرت إلى لائحة الطعام ورأيت لعجبي اسم أشهى طعام قد رأيته خلال سفرتي ــــ عصيدة الشوفان! لكن دعني أذكّرك قبل أن تتهمني بأني بريطاني عديم الذوق بأنّه مر عليّ وقت خلال تلك الرحلة لم أذق فيها كل الأطعمة البريطانية الشهية. وكنت حينها في السادسة والعشرين من عمري وكان الطعام الأسيوي غريبًا على براعم الذوق لدي. وحين قُدّم لي طبق العصيدة رحت آكل منه بنهم، لكن حين وصلت إلى منتصفه لاحظت أنّ ما ظننته قطع شوفان كانت ديدانا. وأدركت حينها أنه من الأفضل أن آكل الطعام الأسيوي من أن آكل طعامًا كان معروضًا لأشهر أو حتى سنين.

واليوم سنقرأ عن رجل غريب الطباع كان يعيش في البرِّية (لوقا80:1)، وكان يأكل طعامًا غريبًا عنا جميعًا. فكان غذاؤه مكوّنًا من الجراد والعسل البري. ولم يكن يأكل طعامًا غريبًا فقط بل كان مظهره غريبًا حيث كان يلبس وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه (مرقس6:1). لكن قال يسوع عن هذا الرجل يوحنا المعمدان:

"اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ." (متى11:11)

ما الأمر المميّز في يوحنا المعمدان الذي جعل يسوع يملي عليه هذا الثناء العالي ويدعوه أعظم رجل عاش على هذه الأرض (ما عدا المسيح)؟ هل نسي موسى وابراهيم ودانيال وإرميا؟ نقرأ في الكناب المقدّس:«إِنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَفْعَلْ آيَةً وَاحِدَةً، وَلكِنْ كُلُّ مَا قَالَهُ يُوحَنَّا عَنْ هذَا كَانَ حَقًّا».(يوحنا41:10). هل انتبهت لذلك؟ لم يفعل يوحنا آية واحدة، لكن يسوع قال إنه لم يقم من بين النساء أعظم منه. لم يكن موهوبًا من ناحية اجتراح المعجزات لكن يمكننا ان نتعلّم من شخصيته. دعونا نقرأ المقطع من إنجيل يوحنا لنلقي نظرة أعمق عن ذلك الرجل الذي أرضى الله كثيرًا:

        وَهذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا، حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ:«مَنْ أَنْتَ؟»

        فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَأَقَرَّ:«إِنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ».

        فَسَأَلُوهُ:«إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ:«لَسْتُ أَنَا». «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ:«لاَ».

        فَقَالُوا لَهُ:«مَنْ أَنْتَ، لِنُعْطِيَ جَوَابًا لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟»

        قَالَ:«أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ».

        وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ،

        فَسَأَلُوهُ وَقَالُوا لَهُ:«فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ الْمَسِيحَ، وَلاَ إِيلِيَّا، وَلاَ النَّبِيَّ؟»

        أَجَابَهُمْ يُوحَنَّا قِائِلاً:«أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ، وَلكِنْ فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ.

        هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ».

        هذَا كَانَ فِي بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ.

        وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ:«هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!

        هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي.

        وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ».

        وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلاً:«إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ.

        وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.

        وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ». (يوحنا19:1-34)

 

فن صناعة رجل ذي شخصية مميّزة

يذكر يوحنا البشير كاتب الإنجيل شهادة مهمّة عن يوحنا المعمدان ليبرهن عن فكرته الرئيسية التي تمر خلال كل الكتاب أنّ يسوع هو المسيّا ابن الله الحي. ويُقدّم لنا يوحنا المعمدان في بداية إنجيل يوحنا والعدد 6 كَ: " إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا." عندما يريد الله أن يبدأ عملا جديدًا يُحدث نهضة فإنّه يهيء ويرسل رجلاً (أو امرأة) ذا شخصية ورعة. وكلّما كبر العمل، كلّما ازدادت الحاجة لتهيئة الإنسان الذي يختاره الله من الداخل. وأظنّ أنّ أ.و.توزر هو القائل:"لا يستطيع الله أن يستخدم إنسانًا بقوّة قبل أن يدعه يتألّم كثيرًا." وخطّة الله ليس بأن يحصل على أساليب أفضل بل على أناس أفضل. وأعتقد أنّ كثيرين يُرسلون إلى حقل الخدمة قبل بكثير من أن يرسلهم الله. والأجدى بالكنيسة أن تهيّىء وتجهّز خدّام الله قبل أن تتسرّع بإرسالهم إلى الخدمة.وقد حذّر بولس الرسول تيموثاوس عن هذا الأمر كاتبًا: "لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أَحَدٍ بِالْعَجَلَةِ" (1نيموثاوس22:5).فالتقوى الإلهية يجب أن تُوجد في قلب القائد قبل أن يُرسل إلى تتميم مهمة رائدة. وقد قال د.ليلويد جونز مرّة:"الأسوأ ما يمكن أن يحدث لإمرىء هو أن ينجح قبل أن يكون متهيئًا." فدعونا نلقي نظرة على المميّزات الرئيسية للشخصية القيادية في كنيسة الله ومن ثم نفحص ما نجد منها في يوحنا المعمدان.

ماذا نعني بكلمة شخصية وما هو خطر إرسال رجل أو إمرأة لإتمام عمل ما قبل أن تُشكّل شخصياتهما من قِبل الله؟

إنّ كلمة character أي شخصية في اللغة الإنكليزية مشتقّة من كلمة charasso اليونانية. وفي كتابه الرائع "كيفية صنع قائد" يفسّر لنا فرانك ديمازيو هذه الكلمة قائلاً:

          "إنّها تعني علامة مميّزة أو وسمة أو شحذ أو نحت أو كتابة على حجر أو خشب أو حديد. وأخذت الكلمة معنى صك العملة النقدية. ومن هنا أصبحت تعني الختم المنحوت على العملة النقدية، أو كتابة منقوشة. وقد استُخدمت هذه الكلمة مرّة واحدة في العهد الجديد في عبرانيين3:1 حيث يشير الكاتب إلى أنّ المسيح هو شخصية الله ذاته، أي ختم طبيعة الله والذي ختم الله فيه أو طبع ما هو عليه. وهكذا فإننا نشتقّ كلمة character الإنكليزية لتعني علامة مميّزة منقوشة أو مكوّنة للشخص من قبل قوّة داخلية أو خارجية"[1]

وإن نقبل الأمر أو نرفضه فإنّ القادة هم مثال. وإن كنت قائدًا فإن أحدهم يتعلّم ليس فقط ممّا تفعله لكن بالأكثر ممّا تقوله. ولا أحد هو جزيرة بحدِّ ذاته؛ إذ جميعنا نؤثّر بأحدهم إن كان سلبًا أم إيجابًا. ونحن مسؤولون عن الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين. والله يرى كل شيء ويعلم كل شيء. "وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا." (عبرانيين 13:4). وهو سيكافئنا على مقدار كم هي شخصية المسيح مطبوعة في حياتنا وحياة الآخرين الذين نؤثّر عليهم في هذا العالم.

والشخصيّة هي ليست ما ستكونه في المستقبل، بل ما أنت عليه الآن. وهذا يشمل قلبك وعقلك ودوافعك. فالحياة هي مسلسل من الإمتحانات التي أعدّها الله مسبقًا وحتى أنّه يعمل عليها في الحاضر. فيصممها لكي تجعل منك الشخص الذي يريد الله منك أن تصبح عليه. وردّة الفعل الصائبة لتلك الإمتحانات تبني شخصياتنا. وقد قال مرّة المبشّر الشهير د.ل.مودي:"إن كنت أهتم في شخصيّتي، يكون صيتي على أفضل ما يكون." والإنسان الذي يعمل على أن يصبح رجل عظيم لله عليه أن يتنبّه لكل ما يدخل عقله وقلبه. قال يسوع: "... فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ."(لوقا45:6). وخدمتك هي التدفّق لما في داخلك الذي يعبّر على علاقتك مع الله. اعمل على حياتك الشخصيّة مع الله وسيكون ثمر حياتك وافرًا، فأنت منتج لمجموع أفكارك وعقلك وإرادتك وقلبك. "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ." (أمثال23:4).

كيف تمّت تهيئة يوحنا المعمدان قبل أن يُرسل من قِبل الله؟

لا نعلم متى تمّ ذلك بالتحديد، لكننا نُخبَر عن يوحنا المعمدان التالي:

        "أمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ." (لوقا 80:1).

لا يُخبرنا الكتاب المقدّس عن أية تدريبات في علم اللاهوت أُخضِع لها في معاهد تلك الأيّام. لكن يمكن أن يكون ذلك قد حدث إذ كان ابن كاهن، وكان أبواه زكريا واليصابات من نسل هارون (لوقا5:1). ونعلم أنّه في مرحلة ما انتقل للعيش في البرّية على الأرجح في بداية شبابه عند وفاة والديه العجوزين.

لماذا دُعي رجل الله هذا للعيش في البرّية تحضيرًا للخدمة. ماذا يمكن لرجل أن يتعلّم في البرّية ما لا يمكن تعلّمه في المدينة؟

إن أعظم ما يحتاجه رجال ونساء اليوم هو الإستماع لصوت الله، وهو ليس بالأمر السهل في خضّم حياتنا الصاخبة والمليئة بالعمل والموجّهة نحو الأهداف والنجاح. لكن الله ليس بصامت، بل تكمن المشكلة في مقدرونا على تخفيض سرعة حياتنا المائجة والإستماع. قال أيوب: "لكِنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ مَرَّةً، وَبِاثْنَتَيْنِ لاَ يُلاَحِظُ الإِنْسَانُ." (أيوب14:33). وقد تعلّم يوحنا المعمدان التأقلم مع حياة الصحراء أو برّية يهوذا والقوت من محصول الأرض بينما يستمع لصوت الله. واللافت للنظر أنّ يسوع وموسى ويشوع ويعقوب أمضوا وقتًا مطوّلاً في الصحراء أو البرّية المقفرة. وأخبرنا بولس الرسول أنّه بعدما التقى بالمسيح ذهب إلى صحراء العربية (غلاطية17:1). وعندما خرج المليونا إسرائيليًا من أرض مصر أرسلهم الله إلى الصحراء ليعلّمهم أنّ الإنسان لا يحيا بالخبز وحده بل بكل كلمة تخرج من فم الله.

وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لاَ؟ فَأَذَلَّكَ وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلاَ عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ. ثِيَابُكَ لَمْ تَبْلَ عَلَيْكَ، وَرِجْلُكَ لَمْ تَتَوَرَّمْ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً.(تثنية 2:8-4)

 

كيف يكون شعورك بأن تكون في برية قفراء؟

لقد سكنت في أرض فلسطين لعدّة أشهر في سبعينيات القرن الماضي. ومكثت مرّة في مدينة بئر سبع التي تحاذي صحراء النجف أسبوعًا كاملاً. وفي صبيحة أحد الأيام، خرجت إلى الصحراء لأختبر زيارتها وتعمّدت أللا أذهب بعيدًا لأنني لن أستطيع معرفة طريق العودة. ما راعني هو السكون والوحدة. لم تهب الريح ورأيت عصفورًا وحيدًا والطبيعة كانت عارية تمامًا. فتجد نفسك وحيدًا لا يمكنك التكلّم سوى مع الله. واللافت للنظر أنّ الكلمة العبرية midbar والتي تُرجمت إلى الإنكليزية desertمشتقّة من أصل الكلمة "يتكلّم" والتي هي medibear في اللغة العبرية. لا يوجد في الصحراء سوى الله وصوته الذي يحاول إيقافنا ولفت انتباهنا. وهو يسمح بأن نمرّ وسط ظروف في حياتنا تذلّنا وتمتحننا فنشعر حينها بأن كل ما نقوم به عقيم وغير منتج. لماذا؟ ليلفت انتباهنا! فالله ليس بحاجة أن يعلم ماذا في قلبك؛ فهو أصلاً يعرف كل شيء عنا. بينما نحن بحاجة أن نعرف ماذا في قلوبنا ونلتفت إليه ونتعلّم أن نتّكل على إمكانياته هو. حين نرى قلوبنا كما يراها الله يمكننا أن نتغيّر.

 

تدفّق قلب يوحنا المعمدان

حوالي سن الثلاثين ووِفقًا لبرنامج الله، بدأ يوحنا المعمدان خدمته بدعوته الناس للتوبة. لا أعلم كيف تم ذلك، لكن الله بدأ بإرسال جماعات من الناس إلى الصحراء للإستماع ليوحنا المعمدان بينما كان يتكلّم عن معمودية التوبة. وبدأت خدمته في برّية اليهودية:

        قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ.

        فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِــيِّ الْقَائِلِ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».(متى 2:3-3).

ويخبرنا لوقا أنّ اليهود كانوا يأتون من أوروشليم التي تبعد مسافة 16 ميلاً على أقرب نقطة من نهر الأردن إن كان هذا بالفعل المكان الذي عمّد فيه. ثم يخبر لوقا أنّ يوحنا ذهب بعد ذلك إلى كل المنطقة الممتدة من حول الأردن يبشّر بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. ويجد الزائر اليوم هذه المنطقة التي تقع شمالا حيث وُجدت مخطوطات البحر الميت برّية مقفرة على ارتفاع 1300 قدمًا تحت سطح البحر وهي أكثر نقطة انخفاضًا في الكرة الأرضية. وهي شديدة الصقوعة في الليل وشديدة الحر في النهار. والله أرسل الناس هناك لكي يعتمدوا على يد يوحنا المعمدان.

يذكر لوقا أنّ جموعًا كانت تأتي لتعتمد (لوقا 7:3). كيف تعامل يوحنا المعمدان مع هذه الشهرة؟ إنّ كلمات الإنسان تكشف عمّا في قلبه، ولا نرى يوحنا مسحورًا بنجاحه مطلقًا. فكان يحيد الإنتباه عنه في كل فرصة سنحت. وعندما أرسل اليهود الكهنة واللاويين ليسألوه عمّا إذا كان هو إيليا، أجاب مسرعًا: "لست هو." "أأنت نبي؟" والنبي هو الرجل الذي وعد الله بمجيئه؛ سيكون كموسى (تثنية15:18) وقد قال الله إنّه سيحاسب كل من لا يسمع لكلامه (تثنية18:18-19). ويسوع هو النبي المرسل من الله والذي سيقيم العهد بين الله والناس. واعترف يوحنا مباشرة بأنّه ليس النبي: فَقَالُوا لَهُ:«مَنْ أَنْتَ، لِنُعْطِيَ جَوَابًا لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟» (يوحنا22:1).

 

ما هو اعترافك بالنسبة لحياتك الروحية لحد الآن؟ من أنت؟ هل مواقفك تعكس ماذا يريدك الله أن تكون؟ ماذا يمكنك القول عن نفسك؟ من أين أتيت، وما هو هدفك؟

لم يدّعي يوحنا أنّه غير صوت صارخ في البرّية ليعدّ طريق الرب. وقد أخبرنا يسوع في الأناجيل الثلاثة الأخرى أنّ الفريسيين وقادة الشعب لم يصدِّقوا أنّ يوحنا أُعطيت له السلطة من قِبل الله لكي يعمّد (متى26:21، مرقس31:11،لوقا5:20). وقد اعتبر قادة اليهود أنّهم احتكروا السوق الدينية في إسرائيل، وهو بالتأكيدلم يفوضوا يوحنا بأن يقوم بأمر، كتعميد اليهود للتوبة،لم يُسمع به من قبل في إسرائيل. وكان الأمم الوحيدين الذين كانوا يعتمدون في تلك الأيام إن أرادوا أن يتهوّدوا. ولم يجد قادة الدين والفريّسيّون أي حاجة لمعمودية يوحنا. أمّا يوحنا فتدّفق من قلبه قوله بأنّه غير مستحق أن يقوم بأكثر الأمور اتضاع وهي حل سيور حذاء المسيح؛ ولم يكن يُتوقع من أيّ تلميذ أن يفعل ذلك لمعلّمه.

 

هل حالتك الروحية حاليًا كبرّية قاحلة وناشفة؟ شاركوا اختباراتكم مع بعضكم البعض. وسنصلّي من أجل أحدنا الآخر في نهاية الفصل.

لماذا كانت هناك حاجة لمعدٍّ للطريق للمسيح؟

 

تنبأ النبي إشعياء خمسمائة سنة قبل ظهور يوحنا المعمدان على المسرح أنّ خدمة المعمدان سوف تكون لإعداد الطريق وتليين قلوب الناس استعدادًا لمجيء المسيّا. فكتب قائلاً:

 

                   "صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا.

          كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ»."(إشعياء3:40-5).

وفي كتابه التفسيري يساعدنا ميريل تاناي على فهم ذلك بقوله:

          "أُخِذت تلك الصورة من الأيام القديمة حيث لم تكن هناك طرقات معبّدة، بل مجرّد طرق ريفية. فإن أراد ملك ما السفر، كان لا بدّ أن تُبنى الطرقات وتمسّد كي تستطيع العربة الملكية المرور بسهولة ولا تقع في الوحول."[2]

        مشى كثيرون منّا طويلاً كما مشى الإسرائيليون في وقت يوحنا المعمدان وسط الصحراء. وخلال مرورنا في هذه الحياة ننتقل من الوديان إلى قمم الجبال؛ نصعد في لحظة ونهبط في لحظة أخرى. آن الأوان لكي تستوي الطريق أمامنا فترتفع الوديان وتنخفض الهضاب. وكانت رسالة يوحنا لكل الناس على حدّ سواء: "قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ." (متى2:3). وهذا ما تفعله التوبة بنا؛ كثيرون منّا يحملون أمتعة كثيرة خلال الرحلة وها قد آن الوقت لرميها لأنها تعيق سبيلنا.

 

ما هي التوبة وما هي قيمتها في الحياة المسيحية؟

التوبة تعني حرفيًا تغيير الفكر مما يؤدي لتغيير المسار. وقد قال سبورجين الواعظ البريطاني الشهير مرّة:"الخطيّة والجحيم متزوّجان إلى أن تعلن التوبة الطلاق. والله ليس بمستعد أن يغفر أيّة خطيّة لا يتوب المرء على تركها." والتوبة تنبش جذور الأشياء التي تقيّدنا بالخطيّة. غالبًا ما يجب أن تترافق التوبة بكراهية مطلقة للأمور التي تسمّم أرواحنا وأسلوب تفكيرنا.      

       

"لِئَلاَّ يَكُونَ فِيكُمْ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ عَشِيرَةٌ أَوْ سِبْطٌ قَلْبُهُ الْيَوْمَ مُنْصَرِفٌ عَنِ الرَّبِّ إِلهِنَا لِكَيْ يَذْهَبَ لِيَعْبُدَ آلِهَةَ تِلْكَ الأُمَمِ. لِئَلاَّ يَكُونَ فِيكُمْ أَصْلٌ يُثْمِرُ عَلْقَمًا وَأَفْسَنْتِينًا."(تثنية18:29).

يسعى الشيطان عدوّنا بأن يكبّلنا بخطايانا التي لم نتب عنها ولم نتركها. وأحيانًا يتطلّب الأمر أن نقوم بما طلب يوحنا المعدان:

        وَكَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِيَعْتَمِدُوا مِنْهُ:«يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟

        فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْرَاهِيمَ.

        وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ». وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ:«فَمَاذَا نَفْعَلُ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا». وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ:«يَامُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟» فَقَالَ لَهُمْ:«لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ».(لوقا 7:3-13)

ربما آذيت أحدهم، إذن الأجدر بك أن تطلب الغفران منه. أو ربما عليك أن تعوّض عليه بطريقة أو بأخرى. أذكر أني كمؤمن حديث لم أستطع أن أشعر بالسلام في قلبي بعدما لاحظت أنّي مزقت دون قصدٍ مني شبكة أحد الصيّادين. ولم ألاحظ إلا عند بزوغ الفجر. افتكرت عندها أني غير ملام لأن حصل ذلك في الظلام إذ كنت أصطاد في الليل ولم أستطع رؤية الشباك. لكن تفكير الله كان عكس ذلك إذ جعلني أذهب إلى بيت ذلك الصيّاد وأدفع له ثمن شبكة جديدة! التوبة الحقيقية تنبع من الإرادة وليس فقط من القلب. تبدأ حياتك بالتغيّر بينما يضع الله اصبعه على نواحٍ في حياتك التي يريدك أن تتعامل معها. نصيحتي لك هي أن تسأل الله عن النواحي التي يريدك أن تعمل عليها،  ومن ثم اخلق استراتيجية أو عادة تضع تلك النواحي تحت سيطرة المسيح.

 

خصائص شخصية يوحنا المعمدان:

  1. لم يساوم: لم يسعَ يوحنا المعمدان لإرضاء الناس! ولم يساوم في إيمانه. فعندما اتخذ الملك هيرودوس زوجة أخيه فيلبس، وبّخه يوحنا قائلاً بأنّه لا يجوز له أن يفعل ذلك بالرغم من أنّه علم أي نوع من الرجال كان هيرودوس. وقف يوحنا غير متزعزع في إيمانه ولم يساوم على جوهر إيمانه حتى أمام ملك غاضب قائلاً له إنّه لا يحق له أن يتخذ زوجة أخيه. وإيمانه الرافض للمساومة كلّفه حياته.

  2. أطلق رعيته: عندما أتى البعض يخبرونه بأن تلاميذ يسوع يعمّدون: "فَجَاءُوا إِلَى يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ:«يَا مُعَلِّمُ، هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ، هُوَ يُعَمِّدُ، وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ»، (يوحنا26:3) فرح يوحنا لهذه الأخبار وأجاب قائلاً: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ." (يوحنا30:3). وهذه حقيقة مهمة بالنسبة لنا أيضًا إذ أن المسيح الذي فينا يجب أن يزيد وطرقنا يجب أن تنقص.

  3. شهد عن حمل الله الكفّاري: يؤمن اليهود ويعلّمون إلى يومنا هذا أنّ النص في إشعياء 53 الذي يتكلّم عن الخادم المتألّم يشير إلى الأمة اليهودية. لكن يوحنا المعمدان أكّد لهم أنّ حمل الله كان في وسطهم وهو الذي يحمل خطايا العالم. عندها كفّ الناس عن اتباعه وراحوا وراء المسيح بسبب شهادة يوحنا. إنّ رجل الله الصادق يشير إلى المسيح وليس إلى شخصه.  

  4. أظهر تواضعًا: إنّ كلمات الإنسان تشير إلى ما في قلبه. وقد دعى يوحنا نفسه مجرّد صوت في البرّية؛ خادم لا يستحق أن يحلّ سيور سيده، ومكرس للإشارة إلى المسيح ومن ثم الإختفاء. كم علينا أن نتمثّل به. ولسنا بحاجة للذهاب إلى البريّة لفعل ذلك؛ فلم يدعنا الله إلى هناك بل دعانا لنكون تلاميذ (طلبة) وشهودًا لما فعل معنا.

صلّوا من أجل بعضكم البعض في نهاية هذه الحلقة. وصلّوا بالتحديد للّذين شعروا أنّهم في برّية ما وهم بحاجة لسماع الله يوجههم بالنسبة لأمر ما. إن كان الله قد تكلّم معك عن ناحية ما في حياتك تشعر أنهّا ما تزال جذورها عالقة بالخطيّة، تب وأدر ظهرك للخطيّة واطلب من الله المعونة.

 

 

 

Pastor Keith Thomas

Website: www.groupbiblestudy.com

Email: keiththomas7@gmail.com

 

 

[1] Frank Demazio, The Making of a Leader. Bible Temple Publishing, Portland, Oregon. Page 107

[2] Merril C. Tenney, John: The Gospel of Belief (Grand Rapids, Mich.: William B. Erdmans Publishing, p.79.)