13. Jesus, the Bread of Heaven

يسوع خبز السماء

يسوع خبز السماء

يوحنا 25:6-59

سؤال للتفكير: ما هو العمل الأصعب الذي قمت به يومًا؟

"وَلَمَّا وَجَدُوهُ فِي عَبْرِ الْبَحْرِ، قَالُوا لَهُ:«يَا مُعَلِّمُ، مَتَى صِرْتَ هُنَا؟» أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ، بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ. اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ». فَقَالُوا لَهُ:«مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«هذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ». فَقَالُوا لَهُ:«فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟ مَاذَا تَعْمَلُ؟

آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا».

فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُم الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ». فَقَالُوا لَهُ:«يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ». فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا. وَلكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي، وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا. لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَهذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ».

فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ:«أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ.

لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.

إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللهِ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ.

 لَيْسَ أَنَّ أَحَدًا رَأَى الآبَ إِلاَّ الَّذِي مِنَ اللهِ. هذَا قَدْ رَأَى الآبَ.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ.

آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا.

هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ.

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ».

فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ:«كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟»

فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ،

لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق.

مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ.

كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي.

هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». قَالَ هذَا فِي الْمَجْمَعِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كَفْرِنَاحُومَ."

 

العمل الذي يطلبه الله.

يعرف البعض منكم أنَّ مهنة والدي كانت صيد السمك. وقد عملت معه خلال سنِّي مراهقتي وفي بدايات عشرينيَّاتي على متن سفينة الصيد خاصته والتي أطلق عليها اسم لماذا عساك تقلقك. وكانت المشكلة الوحيدة التي واجهتها في العمل معه هو أنَّه لم يكن يتوقّف عن العمل! لقد كان يستمتع بعمله ونادرًا ما كان يأخذ إجازة. وكان يوم السبت هو اليوم الوحيد الذي لم نكن نذهب فيه للصيد لأنَّ سوق السمك كان يقفل يوم الأحد. فكنت أعمل ستة أيَّام في الأسبوع من الساعة الثانية والنصف صباحًا وحتَّى الخامسة عصرًا. وبنظري كان ذلك من أخطر الأعمال وأصعبها. أمَّا والدي "توم" (توماس) فأحبَّ عمله وسفينته وبرع في صيد الأسماك. وكان يستمتع بالعمل خاصَّة في الأيَّام العاصفة، الأمر الذي كنت أكره. ولم يزعجه الهزَّ والتلوِّي في القارب طيلة اليوم الذي كان يشقّ طريقه بغضب وسط الأمواج. كلّ ذلك كان بهدف كسب بعض من المال الإضافيّ. وعندما كان البحر هائجًا وصاخبًا كانت أسعار السمك ترتفع ممَّا دفع والدي للخروج في ذلك الطقس العاصف. وكنت كمراهق أجني مالاً كافيًا بالنسبة إلى عمري اليافع إذ كنت في عمر السابعة عشر أجني أربعة أضعاف ما كان رجل متزوج يتقاضاه. وكان عملي مليئًا بالأخطار نسبة لما كان ممكنًا أن يحدث في البحر. وبعدما التقطنا في شباكنا بضعة ألغام غير منفجرة كانت تقرع على جانب السفينة أنَّني بدأت أشعر بالقلق. فبدت الحياة لي هشَّة جدًّا. وواجهت الموت عدَّة مرَّات وحتى أنِّي علقت مرَّة في الشبكة. لكنَّ الربَّ حفظني بالرغم أنِّي لم أكن أعرف عنه. ولم تكن الألغام هي الخطر الوحيد بل واجهت مخاطر أخرى، والأسوأ ما في الأمر هو أنَّه لم يكن لديَّ تأكيد عن مصيري بعد الموت. وكانت تسنح لي الفرصة للقراءة على متن السفينة فبدأت بالقراءة عن الموت لأنَّ فكرته لم تكن تفارقني.

 

كان أمر ما يشدّني لإيجاد الأجوبة عن أحجيات الحياة، وخاصة عن ما إذا كانت هناك حياة بعد الموت وكيف هي. وقادني عطشي الروحي للتفتيش عن الأجوبة في الأعمال الفلسفيَّة، إلاَّ أنَّ ذلك الظمأ لم يرتوِ. وكان والدي يسمح لي بأخذ إجازات بشرط أن أضمن مجيء أحد الصيَّادين المتمرِّسين لمساعدته. فسافرت لحوالي السنتين سعيًا وراء البوذيَّة والهندوسيَّة آملاً أن تشبع تلك الديانتين جوعي وتجيب عن تساؤلاتي. كنت أفتقد لأمر ما وكان هذا الشعور يرافقني أينما ذهبت. فسافرت في أنحاء أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا ومن ثم إلى أميركا الجنوبيَّة والشماليَّة. وكلَّما خطرت في بالي فكرة الاستفسار عن المسيحيَّة وضعتها جانبًا ظنَّا منَّي أنَّها تتمحور حول شخص استشهد قبل ألفي سنة. وكنت قد سمعت أنَّ "كل ما عليَّ فعله هو الإيمان"، لكن كان هذا بالنسبة لي أمرًا غاية في البساطة. لقد كنت معتادًا على العمل باجتهاد لكلِّ أمر أردت الحصول عليه، ولذا اعتقدت أنَّه عليَّ أن أعمل باجتهاد لأجد الحق الذي بنظري كان باهظ الثمن. ثم بدا لي أنَّه من المستحيلات أن أصبح الشخص الروحاني الذي أصبو إليه. أردت أن أدرك أسرار الكون المعقَّدة إلاَّ أنَّ يسوع قدَّم الحقائق بأسلوب يمكن لولد أن يفهمه. أيجدر أن تكون بهذه البساطة؟ فمجرَّد "الإيمان" كان عكس ما تعلمته في الحياة إلى تلك اللحظة. وكانت مشكلتي أنَّني لم أعرف عن الله المحبِّ والمعطاء وأنَّه هو وحده يستطيع أن يروي جوعك وجوعي الروحيِّ لأنَّه هو الخبز النازل من السماء.

 

هل تغيَّرت معتقداتك عن الله على مرِّ الوقت؟

نقرأ في الأصحاح السادس من إنجيل يوحنا وبعد حادثة إشباع الخمسة آلاف أن الناس تعجَّبوا من رؤية يسوع في كفرناحوم لأنَّهم لم يروه في السفينة في الليلة السابقة (ع 25). وذهبوا إلى الهيكل في ذلك اليوم وسألوه: "ماذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟" وكان من بين الحاضرين في الهيكل الذين أشبعهم في اليوم السابق، ففكَّروا إن كان هذا المسيَّا فلا بدَّ أن يطعمهم كل يوم كما فعل موسى(تثنية 15:18) وأرسل المنَّ من السماء (الخروج 45:16).  ألن يكون الأمر رائعًا أن لا تدفع ثمن طعامك؟ فكِّر بالمال الذي يمكن أن تدخّره عندئذ. ذكَّرهم يسوع مباشرة بأنَّ الله وليس موسى هو الذي أرسل المنَّ. فموسى لم يكن له دور في إرسال المنِّ بل تناوله كباقي الشعب. وتظهر هنا مجدَّدًا طبيعة يسوع وغيرته ليعود المجد لله وحده في كلّ ما يعمل. وأراد أن يوجِّههم إلى الآب وأن يعلم الجموع من هو بالحقّ أكثر من أن يعاينوا معجزة. وأراد أن يمتحن نواياهم ولماذا أتوا ليستمعوا إليه. كان موجودًا بينهم من هم جوعى روحيًّا وكان هدف يسوع أن يلاحظوا أنَّه هو الحياة التي يسعون إليها. 

تحنَّن يسوع عليهم إذ رآهم يركضون وراءه سعيًا للحصول على الطعام كما حصل في اليوم السابق. قال: "اعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ ." كما أنَّ تناول وجبة كبيرة من الطعام يشعرنا بالشبع علينا أن نبذل طاقتنا وجهودنا في السعي نحو المسيح وكلمته اللذين  يشبعان أرواحنا. فمن دون ذلك الطعام الباقي للحياة الأبدية نبقى فارغين وغير مكتفين في دواخلنا. نسعى في العادة إلى تسديد احتياجاتنا الزمنية من بيوت كبيرة وسيَّارات جديدة لكننا نعاني من فقر روحيّ كالمؤمنين في الكنيسة التي في لاودكية المذكورة في سفر الرؤيا. واجههم المسيح لكونهم فاترين، وأخبرهم عن حالتهم كما رآها هو:

"لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ." (رؤيا17:3).

ليت الله لا يسمح عندما نذهب إلى السماء أن نجد أنفسنا فقراء في أموره لأنَّنا آثرنا صرف الوقت في أعمالنا اليوميَّة. والبعض منَّا يتعب لوضع أكثر من الخبز على الطاولة بدل أن ينمو في الأمور التي تخصّ الله. وتنبَّهت لهذا الأمر عندما كنت أعمل كصيَّاد سمك محترف. فرحت أسأل نفسي: لماذا أعمل لساعات طويلة سعيًا لمال أكثر ممَّا أحتاج أو أستطيع أن أصرف؟ لماذا أتحمَّل كلّ هذه المصاعب؟ فقرّرت أن آخذ إجازة لبضعة أشهر أسعى خلالها أن أشبع احتياجات روحي. شعرت بأمر ناقص وفراغ قاتل في داخلي. فلم أستطع نتيجة لذلك التمتّع بالسكينة والهدوء قبل أن أجد ما أبحث عنه. وكانت تلك المشاعر هديّة من الله وأمرًا صحيًّا اختبرته. وهذا ما دفعني للسفر عبر العالم سعيًا وراء ما ينقصني. وعندما كنت في الخامسة عشر من عمري افتكرت أنَّه لكي أملأ هذا الفراغ عليَّ أن أتبع الجموع. لكن لم يملأ ذلك فراغي الداخلي. ثم قرّرت أنّه ربّما يكون الحلّ في إيجاد صديقة أُركبها خلفي على درَّاجتي الناريَّة. ثم اشتريت سيَّارة ومنزلاً وسفينة الصيد الخاصة بي بالشراكة مع أخي، لكن كل هذا لم يشبع جوعي وعطشي الداخليين. وقد تكلَّم مرَّة ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز عن هذا الموضوع قائلاً إنَّه بالرغم من تقدّم العلم:"يبقى في داخل النفس البشريَّة ــ واسمحوا لي أن أستخدم التعبير التالي ــ الشعور بالقلق المستمر اللاإرادي بأنَّ شيئًا يستحق العيش من أجله مفقود." وكتب برنارد ليفن الذي هو من أعظم صحافيي عهده عن هذا الفراغ في حياته قائلاً:

          "تمتلىء البلدان بالناس الذين يملكون كل ما يرغبون من احتياجات ماديَّة بالاضافة إلى البركات غير الماديَّة مثل العائلات السعيدة إلاَّ أنَّهم يعيشون حياة من اليأس الصامت وأحيانًا من اليأس الصاخب. لا يشعرون سوى بهذا الفراغ الذي في دواخلهم الذي لا يملأه أيّ كمٍّ من الطعام والشراب والسيَّارات وأجهزة التلفاز وحتَّى الأولاد الصالحين والأصدقاء الأوفياء... بالرغم من كلِّ ذلك يخالجهم ألم داخلي."[1]

 

هل اختبرت يومًا القلق الداخلي؟ كيف تصف "الفراغ الداخلي"؟ وهل حاولت ملىء ذلك الفراغ؟

 

يدفع ذلك الفراغ الكثيرين للعمل باجتهاد ظانِّين أنَّ النجاح المهنِّي يملأ فراغهم الداخلي. أذكر يومًا أنَّه وبينما كنت أعمل بمفردي(وهذا أمر خطير) على قارب والدي، أبحرت إلى نقطة لم نكن نذهب إليها. وخلال ثمانية عشر ساعة اصطدت كميَّة من السمك لم أكن قد اصطدت مثلها من قبل. لقد نجحت بالفعل! وها إنِّي أجني مالاً كثيرًا. وكان شعور البهجة الذي انتابني نتيجة لهذا النجاح كالمخدِّر الذي أنشاني. حتَّى إنِّي لم أستطع النوم وأنا أفكّر كيف عساني أعمل في الليلة المقبلة لكي أجني مالاً أكثر. نظرت في المرآة ولم أحب ما رأيت إذ كان الطمع يملك على قلبي. حتى النجاح في العمل لم يشبعني. والتفكير بأنَّه يمكننا أن نرضي الله من خلال العمل الجاد هو خدعة كبيرة.

          وكان لدى الناس الذين يتكلَّمون مع يسوع التفكير عينه: «مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟» (ع 28). أجابهم يسوع بأنَّ الأمر الوحيد الذي يشبع أرواحهم هو بأن يؤمنوا بالمسيح المرسل من الله: :«هذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ». (ع 29).

لقد جعل الله الأمر سهلاً عمدًا حتى أنَّ ولدًا يستطيع أن يأتي إلى المسيح ويخلص. 

 

يسوع خبز الحياة

المسيح وحده يستطيع أن يملأ ذلك الفراغ في دواخلنا: "لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَم."(ع 33). وأشارت ردَّة فعلهم إلى شوقهم لهذا الخبز إذ قالوا: «يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ» (ع 34) وتدل كلماتهم أنَّهم كانوا يأملون أنَّ الطعام سيأتي إليهم كل يوم تمامًا كما حصل مع المن.  لكن كان يسوع يتكلَّم من منطلق روحيٍّ:

"أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا." (يوحنا35:6)

كان الخبز عنصرًا غذائيًا أساسيًّا في تلك الأيّام. وقد سكنا زوجتي وأنا في الشرق الأوسط لعدَّة أشهر مع امرأة أوسترالية تدعى كريستين. كانت كريستين متزوجة من "بارا" زوجها الياباني. وكان الأرز وجبته الأساسيَّة مهما كان هناك من أطعمة. كان وكأنَّ لديه معدتين واحدة للأرز والأخرى للأطعمة الباقية. فإن كان الطعام مؤلَّفًا من لحم وبطاطا، كان يطبخ بعض الأرز بعد تناول الطعام ليأكله. لم يكن يشعر بالشبع مهما كانت الوجبة كبيرة إلاّ إذا احتوت على الأرز. هكذا هي الحال في دواخلنا إذ لدينا فراغ لا يملأه سوى الطعام الروحي. قال يسوع: "أنا هو خبز الحياة." أنا هو الذي يملأ "معدكم الروحيَّة." لو كان الرب يتكلَّم مع إنسان ياباني لقال له: "أنا هو أرزّ الحياة." فالمسيح فقط يستطيع أن يملأ معدنا الروحيَّة. إنَّه غذاءنا الروحي الوحيد.

          نرى في النص أعلاه (يوحنا35:6)، المبدأ الأساسي للإيمان بالمسيح وملىء الفراغ في قلوبنا والاستمتاع به من الناحية الروحيَّة. علينا أن نأتي إلى المسيح ونثق ونؤمن به. واختبار تناول ذلك الخبز لا يحدث مرَّة واحدة كما ندعو المسيح إلى حياتنا مرَّة واحدة ونولد من جديد مرَّة واحدة، لكنَّه الاستمتاع يوميًّا بالمسيح والتغيير لنصبح مشابهين له. فتناول المن في البريَّة كان صورة مستقبلية لما سيقدِّم لنا المسيح. ويذكر بولس الرسول الموضوع على الشكل التالي: " وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ." (2كورنثوس18:3). وإذ نتغذَّى روحيًّا من المسيح نتغيَّر من الداخل فتنبعث قوَّته وروحه فينا تمامًا كما أنَّ الغصن يستمدّ الحياة من الكرمة. وقد استخدم يسوع تشبيه الكرمة قائلاً:

        "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا." (يوحنا4:15-5)

عندما نولد من جديد نرتبط مع الله روحيًّا ونحصل على هبة الحياة الجديدة مع المسيح. ويسكن روح الله فينا ويساعدنا للمحافظة على هذا الرباط. إنَّه تدفّق للحياة الروحيَّة من الله الأمر الذي يمدّ الإنسان بالشعور أنَّ روحه بأمان. لكن يمكن أن نحزن الروح القدس (أفسس30:4) عند ارتكابنا لأيِّ خطيَّة إرادية فيوبِّخنا (عبرانيين8:12-10). لكن بمجرَّد ارتباطك مع الله لا تعود تعطش أو تجوع (ع 35).  

عندما التجأت إلى المسيح لم أعد أهتم بما سيحدث وعرفت للتوّ أنَّ هذا ما كنت أبحث عنه. ارتوى عطشي وسكن جوعي لله. ويمكن أن يحدث هذا معك أيضًا إن كنت لم تختبره. وكتب المفسٍّر ر. كنت هاغز التالي عن كون المسيح خبز الحياة:

          "توجد عدَّة تشابهات بين المن ويسوع "خبز الحياة." فالمن الذي كان رقائق بيضاء يشبه يسوع النقي والذي هو من دون عيب. وكانت إحدى مزايا المن أنَّه متاح للجميع. فإذا خرج الرجل من خيمته كان أمامه خياران: إمَّا أن يدوس عليه وإمَّا أن يلتقطه. وهكذا فإمَّا أن ندوس يسوع أو أن نتخذه مخلِّصًا. بكلامٍ آخر، يقول الكتاب المقدَّس إنَّ يسوع ممكن أن يكون حجر الزاوية أو حجر عثرة. ويكمن كل الفرق في كيفية تجاوبنا معه." [2]

 

قوَّة الله الجاذبة

تنبَّهت بُعَيْدَ مجيئي للمسيح أنَّ روح الله كان يجذبني إليه ولهذا السبب كنت أشعر بذلك التوق الداخلي. وإليك كيف يصف يسوع تلك القوَّة الجاذبة:

"كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا." (ع 36).

"لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.(ع 44).

 

لقد أتيتَ إلى المسيح (إن كنت مؤمنَا به) لأنك اجتُذبت ربما بطريقة لا تفهمها. ربما بواسطة صديق "تغيَّرت" حياته، أو عظة أثَّرت بك، أو ربما كان الفراغ الكبير الذي تحدَّثنا عنه، أو كتابًا قرأته علقت منه في ذهنك عبارة أثّرت بك وجذبتك للمسيح. وهذه كلها دلائل على عمل الروح القدس الذي يهدف بجذبك إلى يسوع فتنال من الله هبة الحياة. ويصف يسوع مجدَّدًا في العدد 45 كيفية عمل الله: "فكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ."

 

  شاركوا مع بعضكم البعض اختبار قوَّة الله الجاذبة. كيف حصل ذلك معك شخصيًّا؟

 

تناول جسد المسيح وشرب دمه

"فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ،

لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ." (يوحنا 53:6-56).

          يا لها من عبارة صعبة تُقال ليهوديٍّ، فلا عجب أنَّ كثيرين رجعوا إلى الوراء (يوحنَّا 66:6). كان الله قد منعهم كأمَّة من شرب الدم (تكوين4:9 و لاويين 26:7-27)، فكيف لنا أن نفسِّر تلك العبارة؟ يظنّ البعض أن بإمكانهم تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، لكن هل هذا صحيح؟ هل علينا أن نأخذ هذه العبارة حرفيًّا؟ يفسِّر يسوع بوضوح بأنَّه يتكلَّم من الناحية الروحيَّة "اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاة." (يوحنا 63:6). لم نجد صعوبة في استيعاب الكلام الذي وجَّهه يسوع إلى السامريَّة عندما أخبرها عن الماء الذي يعطيه. علمنا أنَّه كان يتكلَّم عن الروح القدس (يوحنا13:4-14). فلماذا عسانا نأخذ المعنى الحرفي لتناول جسده وشرب دمه؟ لا أظن للحظة واحدة أنَّه كان يتكلَّم حرفيًا عندما قال: "أنا الكرمة" (يوحنا5:15) أو "أنا هو باب الخراف" (يوحنا10:10). لقد كان يتكلَّم بأسلوب مجازي. كان يجب على خروف الفصح  الذي كان يدل على موت المسيح الكفَّاري أن يؤكل كلَّه ولا يُترك منه أيّ شيء للصباح (خروج9:12-10). وتناول جسده وشرب دمه يتكلَّمان عن مقابلة كاملة مع الرب يسوع. فلا مجال للتعامل معه بفتور، بل يجب على الانسان أن يقدَّم حياته بالكامل (لوقا23:9-26). علينا أن نلتهم يسوع الذي هو خبز الحياة بالكامل لكي نكون أتباعه، تمامًا كما نلتهم الخبز والخمر ويمصّ جسدنا الغذاء منهما. هكذا هي مع المسيح فعلينا أن نأخذ من حياة المسيح ونتغذَّى روحيًّا لكي نسمح لحياته أن تلمسَ كل نواحي حياتنا. وعلينا أن نمتلىء من الروح القدس يوميًّا وندعه يسيطر على حياتنا ونعيش له وليس لأنفسنا. الكتاب المقدَّس واضح بالنسبة لما يحصل عندما نسلِّم حياتنا للمسيح فنقرأ التالي: "لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. " (كولوسي 3:3).  فالطريق الوحيد للحياة الأبدية هي من خلال تناول خبز الحياة الذي هو الحمية الغذائية الأساسيَّة لحياة المؤمن. وهذا يتطَّلب منَّا التخلِّي عن نفوسنا وعن كلِّ ما نملك. وقد كتب ناظم الترانيم إسحق واتس التالي: "لو كانت كل أقطاب الدنيا ملكي، تكون تقدمة بسيطة تجاه هذه المحبَّة الإلهية العجيبة. هذه المحبَّة تسألني أن أقدِّم روحي وحياتي وكياني له." هل تملكه؟ هل يملكك؟  

 

          بعدما جبت بقاع الأرض لأروي ظمئي وجوعي أتى أخيرًا من يفسِّر لي الإنجيل ويقول لي بأن يسوع يحبّني ويحبّك وأنَّه مات بدلاً عنِّي. أخيرًا فهمت أنَّ الله ليس غاضبًا منِّي أو منَّك. وفهمت أنَّ الله يطلب منَّا أن نأتي إلى المسيح ونؤمن بالإنجيل فنتغيَّر كلِّيًّا من الداخل. وأنَّه علينا أن نتغذَّى منه باقي أيام حياتنا كما في أول يوم نقبله فيه. وحينما شُرح الأمر لي قبلت المسيح ولم أشعر بالجوع منذ تلك اللحظة. وتبدأ الحياة الأبديَّة في اللحظة التي نتخذ فيها خطوة الإيمان. كان يسوع واضحًا جدًّا في كلامه عندما قال:

"اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ." (يوحنا 47:6)

 

إليك صلاة يمكنك تلاوتها:

أيُّها الآب، أشكرك لأنك قدَّمت ابنك الذي هو خبز الحياة. آتي إليك اليوم وأقدِّم لك حياتي. أترك حياتي الفارغة وأثق بالأخبار السارة أنَّ يسوع ابن الله مات بدلاً عنَّي ليدفع ثمن خطاياي حتى أحصل على هبة الحياة الأبديَّة. أقبله اليوم كخبز الحياة لروحي ومعطي الحياة الأبديَّة.

 

Keith Thomas

Website: www.groupbiblestudy.com

Email: keiththomas7@gmail.com

 

[1] As quoted by Nicky Gumbel, Questions of Life, Published by Cook Ministry Publications. Page 13.

[2] R. Kent Hughes, That You May Believe, Commentary on the Book of John, Page 206, Crossway Publishers.